30.2 C
القاهرة
11 يونيو، 2026
اخبارمقالات

الشيخ جمال فراج يكتب..خطبة الجمعة: «الاستقرار الأسريُّ.. مِعمارُ بناءِ الإنسانِ وصمامُ أمانِ الأوطان» في خطبة الجمعة

الحمد لله الذي جعل البيوت سكناً للنفوس، وملاذاً للأرواح، وجعل المودة والرحمة قواماً لاستمرار الوجود البشري.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأسرة نواة المجتمع، وسياج الفضيلة، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، كان خير الناس لأهله، وخيرهم تربيةً وتوجيهاً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، عباد الله:

فاتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن صلاح المجتمع من صلاح الأسرة، وفساده من فسادها. إن الأسرة ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي مدرسة الإيمان الأولى، ومصنع الرجال، ومحضن القيم.

​أولاً: الاستقرار الأسري.. قاعدة بناء الإنسان

​إن الله تعالى جعل الاستقرار في الأسرة آية من آياته الكبرى، فقال جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

فتأملوا قوله {لِتَسْكُنُوا}؛ فالغاية هي السكينة، والسكينة هي الطمأنينة التي تجعل الإنسان قادراً على العطاء والبناء. فالأسرة المستقرة هي التي ينتج عنها فردٌ سويّ النفس، بعيدٌ عن العُقد، متوازنٌ في عطائه لوطنه ومجتمعه.

​ثانياً: منهجية القرآن في التربية (قصة لقمان الحكيم)

​إذا أردتم أن تعرفوا كيف يبني الاستقرارُ الإنسانَ، فانظروا إلى منهج “لقمان الحكيم” في تربية ابنه، حيث جعل الحوار هو الأداة: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ…} [لقمان: 13].

لاحظوا استخدام كلمة {يَا بُنَيَّ}؛ إنها كلمة حنان، تقرب المسافة، وتفتح أبواب القلب قبل العقل. لقمان لم يلقِ الأوامر بأسلوب زجري، بل أشرك ابنه في فهم “لماذا نفعل؟ ولماذا نبتعد؟”؛ ربط سلوكيات الابن بمراقبة الله، مما خلق إنساناً مستقراً داخلياً، لا يحتاج لرقيب خارجي لأنه يراقب الله في سره وعلنه.

​ثالثاً: التوجيه النبوي في المسؤولية

​يقول النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

الاستقرار الأسري يبدأ من إدراك الوالدين أن كل فرد في البيت أمانة، ليس المطلوب توفير الطعام والشراب فقط، بل توفير الأمان النفسي والروحي. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ. إن هذه الرحمة هي التي تصنع أجيالاً قوية، فالإنسان الذي ينشأ في كنف الرحمة، يشبّ رحيماً بالناس، حريصاً على وطنه.

(جلسة خفيفة)

​الخطبة الثانية: أزمة الصمت.. حين تغيب لغة الحوار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

عباد الله،

لقد ذكرنا أن الاستقرار هو البناء، ولكن اليوم يواجه هذا البناء عدواً خفياً يهدد كيان الأسر، ألا وهو “غياب التواصل”، أو ما نسميه “الطلاق العاطفي” بين الآباء والأبناء.

​أولاً: خطورة الفجوة بين الأجيال

​لقد حذرنا القرآن من التقصير في حق الأبناء، والتركيز على الجوانب المادية وإهمال التربية والوصال، فقال الله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

القول السديد هنا هو الحوار، والاستماع، والمصارحة.

​ثانياً: قصة أثرية تزلزل القلوب

​يُروى أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو عقوق ابنه، فأحضر عمر الابن وسأله عن عقوقه لأبيه. فقال الابن: “يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه كما للأب حقوق على ولده؟”. قال عمر: “بلى”. قال: “فما هي؟”. قال عمر: “أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن)”. قال الابن: “يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل من ذلك شيئاً؛ أما أمه فهي زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلاً (جُعل هو خنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً!”.

فالتفت عمر إلى الأب وقال: “جئت تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!”.

تأملوا: غياب التواصل والتربية أدى إلى ضياع حقوق الابن، فنتج عنه العقوق.

​ثالثاً: منهج النبي ﷺ في التواصل العاطفي

​كان النبي ﷺ يجسد التواصل بأسمى صوره. دخل أعرابي على النبي ﷺ، فرأى النبي يقبل الحسن والحسين، فقال الأعرابي: “أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم!”. فنظر إليه النبي ﷺ نظرة الرحمة وقال: «أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (رواه البخاري).

هذا هو التواصل: قبلة، كلمة طيبة، استماع لمشكلاتهم، مشاركة في اهتماماتهم.

​نصائح عملية للآباء اليوم:

  1. خصصوا “وقت العائلة”: وقتٌ خالٍ من الهواتف والأجهزة، تتحدثون فيه عن أحلامهم لا عن درجاتهم فقط.
  2. أنصتوا لهم: أحياناً يكون الابن محتاجاً لمن يسمعه، لا لمن يوجهه. اسمعوا لهم حتى يثقوا بكم، فإذا وثقوا بكم استمعوا لنصائحكم.
  3. القدوة الصالحة: الطفل يرى ما تفعلون، ولا يسمع ما تقولون. إذا أردتموه باراً، فكونوا بارين بآبائكم أمام أعينهم.

اللهم يا رب العالمين، اجعل بيوتنا عامرة بذكرك، ومملوءةً بمحبتك، واحفظ أبناءنا من كل سوء، واجعلهم قرة أعين لنا، واجعلنا قدوةً لهم في الخير.

عباد الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=13066

موضوعات ذات صلة

أحمد الشرع يوقع اتفاقا مع «قسد» لوقف إطلاق النار والاندماج في الجيش السوري

شريهان عنتر

ألمانيا: ترامب تجاوز الخط الأحمر مع تهديده لجرينلاند.. ونبحث الرد القانونى

شريهان عنتر

مدير المركز الإعلامي لحزب حماة الوطن يزور الصين ضمن وفد يضم 10 دول عربية

سيد ابوسيف

ترامب: سنتمكن من حل قضية سد النهضة فى نهاية المطاف..

شريهان عنتر

رئيس الوزراء يترأس اجتماع لجنة إدارة الأزمات المركزية

سيد ابوسيف

لماذا يتنم تشويه الرموز؟!

سيد ابوسيف