كتب ✍️ محمود فتحي القاضي
في لحظات الأزمات الكبرى لا تقاس المواقف بالكلمات بل تكشف الحقائق وتسقط الأقنعة ويظهر بوضوح من يقف بثبات ومن يختار التراجع أو الغياب.
وخلال الفترة الأخيرة تصاعدت نبرة الانتقادات والهجوم على مصر عبر منصات التواصل الاجتماعي حيث يطرح البعض تساؤلات تحمل طابع السخرية : أين جيش مصر ؟ ولماذا لا يتحرك ؟ وكأن صفحات التاريخ قد طُويت أو أن الذاكرة الجماعية يمكن اختزالها في عبارات عابرة
غير أن الواقع يؤكد أن الجيش المصري لم يكن يوما قوة تستخدم بالوكالة ولا أداة لخوض معارك نيابة عن أطراف أخرى.
فهو جيش وطني تستند عقيدته إلى حماية الأرض والشعب والحفاظ على مقدرات الدولة بعيدا عن أي حسابات خارجية لا تخدم الأمن القومي المصري.
وعند الحديث عن نشأة وتطور مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة لا يمكن إغفال الدور المصري الممتد لعقود حيث ساهمت الكفاءات والخبرات المصرية في دعم وبناء مؤسسات العديد من الدول العربية خاصة في مجالات التعليم والصحة والإدارة والأمن فضلًا عن الإسهام في نقل الخبرات التنظيمية والعسكرية.
هذا الدور لم يكن يومًا محل تفاخر أو منة بل جاء في إطار التعاون العربي إلا أنه يظل جزءا من حقائق التاريخ التي لا يمكن تجاهلها أو إعادة صياغتها وفق أهواء اللحظة.
وفي سياق السعي لتعزيز العمل العربي المشترك، كانت مصر من أوائل الدول التي طرحت فكرة إنشاء جيش عربي موحد إدراكا منها لحجم التحديات التي تواجه المنطقة.
غير أن هذه الدعوات لم تجد الاستجابة المطلوبة آنذاك وهو ما يثير تساؤلات اليوم في ظل مطالبة البعض لمصر باتخاذ مواقف عسكرية منفردة.
كما دعت مصر خلال تصاعد الأحداث في قطاع غزة إلى عقد قمة عربية طارئة بهدف توحيد المواقف غير أن غياب عدد من الأطراف ألقى بظلاله على المشهد، وأعاد التأكيد على حجم التحديات التي تواجه العمل العربي المشترك.
ورغم تلك الظروف واصلت مصر تحركاتها السياسية والدبلوماسية مؤكدة رفضها لأي محاولات للتهجير وتمسكها بثوابتها وسعيها للحفاظ على استقرار المنطقة انطلاقا من دورها الإقليمي والتاريخي.
وفي المحافل الدولية أثبتت مصر أنها لا تزال طرفا فاعلا ومؤثرا، حيث حظيت مواقفها باهتمام وتقدير دولي في وقت اختار فيه البعض التراجع أو الغياب.
الرسالة التي تطرحها هذه المعطيات واضحة.
أن القرار المصري يظل مستقلا وأن تحركات الدولة تبنى على أسس استراتيجية وليس استجابة لضغوط أو دعوات عاطفية.
كما تؤكد أن مصر لا تنسى مواقف الدعم كما لا تتجاهل لحظات الغياب وأن دماء أبنائها ليست محل مساومة ولا ورقة تستخدم في معادلات سياسية.
وفي ضوء ذلك، يظل السؤال الأبرز.
أين كانت هذه الأصوات حين كانت مصر تتحمل المسؤولية وحدها ؟
في النهاية تبقى مصر دولة ذات سيادة قرارها نابع من إرادتها وجيشها درعها وشعبها سندها.
