24.1 C
القاهرة
10 يونيو، 2026
اخبار

فريد عبد الوارث يكتب: الفلاح المصري يدخل موسم الزراعة بـ«شيكارتين سماد».. وكأن الأرض تتغذى على الأمنيات!

يبدو أن الفلاح المصري مكتوب عليه أن يدور في فلك أزمات متتابعه لا فكاك منها! فما بين ارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة من بذور ومبيدات لمكافحة ما يسمى دودة الحشد و غلاء أجرة العمال وصولاً لأزمة الشتاء و الصيف المتمثلة في نقص الأسمدة التي يتم توزيعها من خلال الجمعيات الزراعية، وكأن العالم بكل حروبه ومشاكله يعاقب الفلاح!!!

أزمة خانقة تضرب الحقول، و الجمعيات توزع نصف الحصة المقررة بينما السوق السوداء تبيع السماد بسعر الذهب! يبدو أن كل المهن تشكو من الأزمات، إلا أن الفلاح المصري قرر أن يحتفظ لنفسه بالنصيب الأكبر من المعاناة، فالرجل الذي يزرع القمح ليأكل الناس، والذرة لتدور عجلة الإنتاج، والخضروات لتملأ الأسواق، بات عاجزًا عن توفير أبسط مستلزمات الزراعة… السماد.

تلقى الفلاح “البشارة” المعتادة من الجمعيات الزراعية، فبدلاً من الكمية المقررة للفدان، يحصل على نصفها فقط، بواقع شيكارتين من السماد ثم يُطلب منه أن يطمئن على محصوله وأن ينتظر إنتاجًا وفيرًا في نهاية الموسم، وكأن الأرض تحولت فجأة إلى كائن أسطوري يعيش على الوعود الحكومية والبيانات الرسمية، لا على النيتروجين والفوسفات والبوتاسيوم.

لم يعد السؤال: “كيف حال الزرع؟”، بل أصبح: “هل وجدت سمادًا؟” أما من ينجح في الحصول على حصته الناقصة من الجمعية، فيشعر وكأنه فاز بجائزة كبرى، قبل أن يكتشف أن ما حصل عليه لا يكفي سوى لتهدئة جوع الأرض لأيام معدودة.

المشهد أصبح عبثيًا إلى حد السخرية. أرض تحتاج إلى كميات محددة ومدروسة من السماد لضمان نمو المحصول، بينما يحصل صاحبها على نصف الاحتياجات فقط، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة معادلة مستحيلة. إنها أشبه بإعطاء مريض نصف جرعة الدواء ثم مطالبته بالشفاء الكامل.

لكن المأساة الحقيقية تبدأ عند بوابة السوق السوداء، ذلك الكائن العجيب الذي لا يعرف النقص أبدًا، فبينما تختفي الأسمدة من المخازن الرسمية وكأنها تبخرت في الهواء، تظهر فجأة وبكميات وفيرة لدى التجار والسماسرة! فهناك لا توجد أزمة ولا عجز ولا نقص معروض، بل توجد أسعار تكفي لإصابة الفلاح بصدمة قبل أن تصيب محصوله بالعطش الغذائي.

الشيكارة التي يفترض أن تصل إلى المزارع بسعر مدعوم، أصبحت في السوق السوداء تُباع بأكثر من خمسة أضعاف سعرها الرسمي. نعم، خمسة أضعاف كاملة. وكأن السماد لم يعد منتجًا زراعيًا، بل قطعة أثرية نادرة أو سبائك ذهبية تُتداول في الخفاء.

الفلاح اليوم لا يزرع الأرض فقط، بل يزرع الديون أيضًا، يقترض ليشتري التقاوي، ويستدين لشراء المبيدات، ثم يبيع ما يملك لشراء السماد من السوق السوداء، وفي النهاية يُفاجأ بأن تكلفة إنتاج المحصول قد التهمت معظم عائده قبل أن يغادر الحقل.

والأغرب أن الجميع يتحدث عن زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، بينما تُترك الحقول تتضور جوعًا بسبب نقص السماد، فكيف يُطلب من الفدان أن يعطي أعلى إنتاجية وهو لم يحصل إلا على نصف غذائه؟ وكيف يُطالب الفلاح بمضاعفة الإنتاج بينما أبسط مدخلات الزراعة أصبحت حلمًا بعيد المنال؟

إن ما يحدث لا يمثل مجرد أزمة أسمدة، بل أزمة منطق كاملة، فالدولة تطالب الفلاح بالإنتاج، والأرض تطالب بالسماد، و الجمعيات تعطي نصف الحصة، والسوق السوداء تبتلع الباقي، ثم يتساءل الجميع في نهاية الموسم عن أسباب تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار.

لقد أصبح الفلاح المصري أشبه بجندي يُدفع إلى ساحة المعركة بلا سلاح، ثم يُسأل بعد ذلك عن سبب الهزيمة، وبين شيكارتين لا تسمنان أرضًا ولا تغنيان محصولًا، وتجار سوق سوداء يحصدون الأرباح بالملايين، يقف المزارع المصري وحيدًا في مواجهة واحدة من أقسى الأزمات التي عرفتها الزراعة في السنوات الأخيرة.

أين السادة المسؤلين عن ملف الزراعة؟ وما هي رؤيتهم النافذه لحل مشكلة تتكرر كما يتوالى الليل والنهار والصيف و الشتاء وهم في مقاعد المتفرجين؟
أغيثوا الفلاح أو ترحموا على الرقعة الزراعية وجهزوا المليارات لاستيراد الغذاء من كل حدب وصوب، فما يحدث عار على كل مسؤول.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=13052

موضوعات ذات صلة

وزير التعليم يتفقد مدارس قنا لمتابعة سير العملية التعليمية ويجري حوارات مع الطلاب والمعلمين

سيد ابوسيف

الجيش السوري يفرض حظر تجول في أحياء بحلب.. ويبدأ قصفاً عنيفاً على مواقع “قسد

شريهان عنتر

تحرك فرنسى ألمانى فى جرينلاند.. هل ينجح نشر قوات أوروبية فى ردع ترامب؟

شريهان عنتر

اليوم.. انطلاق جولة الإعادة لـ19 دائرة بانتخابات النواب

سيد ابوسيف

رجال سلة الأهلي أبطال الدوري.. والاتحاد يقاتل حتى النهاية

سيد ابوسيف

حماة الوطن ينظم جلسة نقاشية بعنوان “التأمين الصحي الشامل.. مستقبل مصر

سيد ابوسيف