حددت وزارة الأوقاف موضوع خُطبةٌ بعنوانُ: النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بينَ الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: فهمُ النصوصِ وأثرُهُ في تحقيقِ مقاصدِ الشريعةِ
لقد وهبَ اللهُ للإنسانِ العقلَ وميَّزهُ بهِ عن سائرِ الكائناتِ، فالعقلُ لهُ وظيفةٌ مهمّةٌ في استنباطِ الأحكامِ؛ والنظرِ إلى الأدلةِ ونقدِ متونِ الحديثِ، وكلما كانَ العقلُ المسدَّدُ بنورِ الوحيِ أوفرَ وأكبرَ؛ كانَ المرءُ أقدرَ على الفهمِ والاستنباطِ. يقولُ تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ص: 29).
ويُعتبرُ القرآنُ والسنةُ هما المصدرانِ الرئيسانِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ وينبغي على كلِّ من يستدلُّ بنصوصِ الشريعةِ الغرّاءِ أن لا يقفَ متحجراً عندَ ظاهرِ النصِّ؛ بل عليهِ أن ينظرَ إلى العلةِ والمقصدِ والغايةِ من تشريعِ هذا الأمرِ.
وقد استندَ العلماءُ في فهمِهم للنصوصِ إلى القرآنِ والسنةِ. فالقرآنُ بقولِهِ تعالى: {أفلا يتدبرونَ القرآنَ ولو كانَ من عندِ غيرِ اللهِ لوجدوا فيهِ اختلافاً كثيراً * وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا بهِ ولو ردّوهُ إلى الرسولِ وإلى أولي الأمرِ منهم لعلمهُ الذينَ يستنبطونهُ منهم ولولا فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُهُ لاتبعتمُ الشيطانَ إلا قليلاً} (النساء: 82، 83).
فهذا النصُّ فيهِ دليلٌ ودعوةٌ صريحةٌ إلى إمعانِ النظرِ وإعمالِ الفكرِ من الأفرادِ أو الجماعةِ؛ في ظلِّ الأحكامِ العامةِ والقواعدِ الضابطةِ لاستخراجِ كنوزِ العلمِ؛ ولولوجِ بحارِ أنوارِ المعارفِ للفهمِ الدقيقِ، واستنباطِ الجواهرِ والدررِ التي تعيدُ للأمةِ مجدَها وحضارتَها الزاهرةَ التي قامتْ على الاستنباطِ وفقَ قواعدِ الشرعِ، وبعقولٍ نيرةٍ مسترشدةٍ بما توصلَ إليها ممن سبقَها من معارفَ.
ومن السنةِ ما روي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: ” كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ ” . قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ . قَالَ ” فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” . قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ ” فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” . قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو . فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَقَالَ ”الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ” . ( أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي ) .
وكمْ من أناسٍ من خوارجِ العصرِ قديمًا وحديثًا لم يفهموا النصوصَ فهمًا صحيحًا، حتى كفَّروا الناسَ وخرجوا عليهم بأسيافِهم.يقول الإمام مالك رحمه الله:” إن أقواما ابْتَغوا الْعِبَادَة وأضاعوا الْعلم، فَخَرجُوا على أمة مُحَمَّدٍ بِأَسْيَافِهِمْ، وَلَو ابْتَغوا الْعلم لحجزهم عَن ذَلِك”. (مفتاح دار السعادة لابن القيم). ويقول الإمام ابن القيم: ” إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْبَعْثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ”. (إعلام الموقعين عن رب العالمين).
فالتشدُّدُ في الدينِ، والفتوى بغيرِ علمٍ، أو الفهمُ المغلوطُ لنصوصِ الشريعةِ الغرّاءِ، قد يؤدِّي إلى الشقاءِ، بل إلى الهلاكِ والموتِ. فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ َعلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». (أبو داود وابن ماجة بسند حسن).
فهؤلاءِ تَشَدَّدوا في جوابِ المسألةِ، فأدَّى ذلكَ إلى هلاكِ الرجلِ وموتِهِ!! فلابدَّ من فهمِ النصوصِ فهماً صحيحاً.
ثانيًا: مظاهرُ وآثارُ سوءِ التأويلِ للنصوصِ
لظاهرة سوء التأويل للنصوص، والجمود والتطرف الفكري، أسباب ومظاهر وآثار على الفرد والمجتمع منها:
الجهل المركب بمسائل الشريعة: ولا سيما المسائل الدقيقة التي لا يحسنها إلا العلماء، فهم بجهلهم يكفِّرون من شاءوا ولا يفرقون بين كفر أصغر أو أكبر ؛ أو كبيرة وصغيرة؛ ولعل الجهل بأحكام الشريعة من أهم صفات الخوارج الذين كانوا أول من تولى وزر التكفير في هذه الأمة، حين كفروا أصحاب النبي ﷺ ، فقد وصفهم ﷺ وسلم بقوله:” يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ؛ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ؛ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ؛ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ”. (متفق عليه). يقول الإمام القرطبي مندداً بضلالة الخوارج وقلة فهمهم وتكفيرهم الناس: “ويكفيك من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه وبأنه من أهل الجنة”. وهل هناك جهل مركب بعد هذا الجهل ؟!!!
ومنها: التعصب والولاء والانتماء إلى جماعة أو حزب معين: مع الاقتناع بأفكارهم وجعل التكفير وسيلة في الانتقام من المخالفين، وإشهاره سيفاً مسلطاً على رقابهم، وهو ما اشتهر في هذا الزمان من أن كل فرقة أو جماعة تكفر مخالفيها؛ وهؤلاء قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (الأنعام: 159) “. وهذا ما نراه في وقعنا المعاصر من تفرق الأمة إلى أحزاب وفرق وجماعات؛ وكل حزب بما لديهم فرحون؛ والغير يكفرون !!
ومنها: حداثة السن وقلة التجارب: وهذا شائع وكثير من شبابنا الطائش الذين تشبعوا بالجمود الفكري التكفيري المتطرف؛ وهؤلاء يقول عنهم النبي ﷺ: ” يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.(البخاري). قال السندي: ” قوله: (أحداث الأسنان) أي صغار الأسنان، فإنّ حداثة السّنّ محلٌّ للفساد عادة. (سفهاء الأحلام): ضعاف العقول”. (حاشية السندي).
ومنها: اتباع الفتاوى المضللة: فالفتوى بغير علم من أخطر المصائب والمحن التي ابتليت بها الأمة في عصرنا هذا ؛ فهي تسوغ لصاحبها فعل كل منكر وقبيح؛ وارتكاب أبشع الجرائم والموبقات بسبب هذه الفتاوي المضللة. ولقد بكى سلفنا الصالح بكاءً مريراً من التصدي للفتوى بغير علم !! يقول الإمام مالك – رحمه الله تعالى: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له!!
أيها المسلمون: اعلموا أن للفهم المغلوط لنصوص الشريعة وسوء التأويل عواقبه الوخيمة وأضراره الجسيمة على الفرد والمجتمع؛ فسوء التأويل ذريعة ومسوغ لاستباحة الدماء وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصّة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، وزرع العداوات والأحقاد والفرقة بين أفراد المجتمع؛ فهذه الأعمال وأمثالها محرَّمة شرعًا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغُدوِّهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى عنها للناس في حياتهم؛ وكل هذه الجرائم من آثار التطرف الفكري !!
ألا فاحذروا من هذه الفتنة التي فتحت أبواب الشر والإفساد في الأرض، وعرضت الأنفس المعصومة والأموال المحترمة للخطر، وعملت على زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع .
✍️ ثالثًا: علاجُ ظاهرةِ سوءِ التأويلِ للنصوصِ
أيها المسلمون: علينا أن نُقاوِمَ ونعالِجَ ظاهرةَ سوءِ التأويلِ للنصوصِ، وذلكَ من خلالِ الوسائلِ التاليةِ:
أ- تطهيرُ العقولِ من الأفكارِ الجامدةِ المتطرفةِ: فمنْ أهمِّ وسائلِ علاجِ ظاهرةِ الجمودِ والتطرفِ الفكريِّ، والفهمِ الخاطئِ للنصوصِ، مواجهةُ الإرهابِ، وتطهيرُ عقولِ الشبابِ من الأفكارِ الجامدةِ المتطرفةِ؛ لأنَّ الناسَ لو استقامتْ عقولُهم صاروا يُفكِّرونَ فيما ينفعُهم، ويبتعدونَ عمَّا يضرُّهم، إذًا هناكَ علاقةٌ كبيرةٌ بينَ المحافظةِ على عقولِ الناسِ، وبينَ استقرارِ الأمنِ عندهم؛ لأنَّ مما يذهبُ بأمنِ الناسِ انتشارُ المفاهيمِ الخاطئةِ حيالَ نصوصِ القرآنِ والسنةِ، وعدمُ فهمِهما بفهمِ السلفِ الصالحِ، وهلْ كُفِّرَ الناسُ، وأُريقَتِ الدماءُ، وقُتِلَ الأبرياءُ، وخُفِرَتِ الذممُ بقتلِ المستأمنينَ، وفُجِّرَتِ البقاعُ، إلا بهذهِ المفاهيمِ المنكوسةِ؛ والأفكارِ المتطرفةِ المعكوسةِ؟!!
ب- معاقبةُ المتطرفين والمفسدين: فعلى الجهاتِ المعنيةِ الضربُ بيدٍ من حديدٍ، ومعاقبةُ المتطرفينَ والمفسدينَ والمخربينَ؛ وليكنِ الهدفُ من العقابِ هو ردعُ كلِّ من تُسَوِّلُ لهُ نفسُهُ أنْ يُخَرِّبَ أو يُدَمِّرَ أو يقتلَ أو يُفسدَ أو يُقْدِمَ على أيِّ نوعٍ من أنواعِ الفسادِ بكلِّ صورِهِ، لأنَّهُ لا يفعلُ ذلكَ إلا كلُّ متجردٍ من القيمِ والخلقِ والوازعِ الدينيِّ؛ لهذا قالَ عثمانُ ـ رضيَ اللهُ عنهُ ـ: “إنَّ اللهَ يزعُ بالسلطانِ ما لا يزعُ بالقرآنِ”، أي: يمنعُ بالسلطانِ باقترافِ المحارمِ أكثرَ ما يمنعُ بالقرآنِ؛ لأنَّ بعضَ الناسِ ضعيفُ الإيمانِ لا تؤثرُ فيهِ زواجرُ القرآنِ، ونهيُ القرآنِ؛ لكنْ متى علموا أنَّ هناكَ عقوبةً من السلطانِ ارتدعوا، وخافوا من عقوبةِ السلطانِ لئلا يفتنَهم، أو يضربَهم، أو ينفيَهم من البلادِ، فهم يخافونَ ذلكَ.!!
جـ- اختيارُ الصحبةِ الصالحةِ للأولادِ: فعلى الأسرةِ أن تُحسنَ اختيارَ الرفقةِ الصالحةِ لأبنائِها؛ لأنَّ الصاحبَ يتشبَّعُ بفكرِ صاحبِهِ؛ فلو كانَ أصدقاؤُهُ صالحينَ من ذوي الفكرِ الوسطيِّ، أوفياءَ لوطنِهم، فإنَّهُ يكونُ أداةَ بناءٍ؛ أمَّا إنْ كانوا ممن يحملونَ أفكارًا متطرفةً هدامةً، فإنَّهُ يتشبَّعُ بفكرِهم، ويكونُ معولَ هدمٍ وتخريبٍ وتدميرٍ وإفسادٍ!! فينبغي على المرءِ أن يُحسنَ اختيارَ الصاحبِ؛ لأنَّهُ يكونُ على هديِهِ وطريقتِهِ، ويتأثَّرُ بهِ، كما قيلَ: الصاحبُ ساحبٌ، حتى لو أردتَ أن تعرفَ أخلاقَ شخصٍ، فاسألْ عن أصحابِهِ. قالَ الشاعرُ:
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ ………….فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي
وقال آخر: واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ………..يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ] . قال العلماء: يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضياً في دينه ومذهبه.
د – نشرُ وسطيةِ الإسلامِ والفكرِ الوسطيِّ في الإعلامِ ووسائلِ الاتصالِ: لأنَّ آفةَ الانحرافِ عن الوسطيةِ أو الشذوذِ عنها تقودُ إلى الجمودِ والتطرفِ والاستبدادِ والإفسادِ والقتلِ والتخريبِ والإرهابِ والتقليدِ الأعمى، والتصرفاتِ المرتجلةِ دونَ رؤيةٍ وتشاورٍ وتقديرٍ هادئٍ لعواقبِ الأمورِ، ولذلكَ تعاني بعضُ المجتمعاتِ الإسلاميةِ من تفشِّي الغلوِّ والتطرفِ في الدينِ بينَ صفوفِ المراهقينَ فكريًّا، وذلكَ من خلالِ تطبيقِ ممارساتٍ خاطئةٍ بحجةِ التمسكِ بالدينِ، وفي الواقعِ هم أبعدُ ما يكونونَ عن الدينِ الإسلاميِّ الحنيفِ دينِ الوسطيةِ والاعتدالِ؛ كما أنَّ المبتعدينَ عن وسطيةِ الإسلامِ يسلكونَ في حياتِهم مسالكَ وعرةً، منهجُهم القهرُ والإكراهُ، وسفكُ الدماءِ والتخريبُ، ونشرُ الذعرِ والخوفِ، واستباحةُ الدماءِ والأعراضِ والأموالِ.
عباد الله: إنَّ حلَّ ظاهرةِ سوءِ التأويلِ للنصوصِ وعلاجَها لا يقتصرُ على فئةٍ معينةٍ، وإنما يشملُ جميعَ أفرادِ المجتمعِ: شبابًا، وأسرةً، ودعاةً، ومؤسساتٍ، وحكومةً؛ فإذا كانَ الطبيبُ يُعطي المريضَ جرعةً متكاملةً حتى يشفى من سَقَمِهِ ـ إنْ قصَّرَ في نوعٍ منها لا يتمُّ شفاؤُهُ ـ فكذلكَ علاجُ هذهِ الظاهرةِ يكونُ مع تكاتفِ المجتمعِ بجميعِ فئاتِهِ، فكلُّ فئةٍ لها دورٌ، وباكتمالِ الأدوارِ يرتفعُ البنيانُ، وإلا كما قيلَ:
ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامَه إذا كنت تبنى وغيرك يهدم
أيها المسلمون: ننحنُ في سفينةٍ واحدةٍ؛ ولابدَّ أن نتضامنَ جميعًا من أجلِ نجاةِ هذهِ السفينةِ؛ كما علينا أن نأخذَ على أيدي العابثينَ بهذهِ السفينةِ؛ وإلا غرقتْ بنا جميعًا؛ فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ” مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ” (البخاري).
«مَنِ احْتَكَرَ فهوَ خَاطِئٌ» [رواه مسلم].
أيها الإخوة المسلمون: لقد أطلقتْ وزارةُ الأوقافِ مبادرةَ (صحِّحْ مفاهيمَكَ)، وظاهرةُ اليومِ هيَ: (الاحتكارُ)، ومعناهُ: حبسُ السلعِ والأقواتِ الضروريةِ حتى يرتفعَ ثمنُها، مع إلحاقِ الضررِ بالآخرينَ. والاحتكارُ من الأمورِ المحرمةِ الجالبةِ للخطيئةِ والوزرِ، وفي ذلكَ يقولُ الرسولُ ﷺ: «مَنِ احْتَكَرَ فهوَ خَاطِئٌ”. والحكمةُ في تحريمِ الاحتكارِ دفعُ الضررِ عن عامةِ الناسِ، كما أجمعَ العلماءُ على أنَّهُ لو كانَ عندَ إنسانٍ طعامٌ واضطرَّ الناسُ إليهِ، ولم يجدوا غيرَهُ، أُجبرَ على بيعِهِ دفعًا للضررِ عن الناسِ [شرحُ النوويِّ على مسلمٍ].فالاحتكارُ يؤدِّي إلى الجشعِ والطمعِ والأنانيةِ، لذلكَ يجبُ القضاءُ عليهِ ومحاربتُهُ، ليحلَّ محلَّهُ التعاونُ والتكافلُ والتشاركُ والعطفُ، والقيمُ الرشيدةُ النبيلةُ.
نسألُ اللهَ أنْ يلهمنا رشدنا ، وأنْ يحفظَ عقولنا وبصائرنا ومصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ،
