سليدرمقالات

إتقان العمل و الاحتيال المالي في خطبة الجمعة يقدمها الشيخ جمال فراج

حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان: إتقان العمل واجب ديني وحضاري، مشيرة أن الهدف: التوعية بأهمية إتقان كل امرئ لعمله، وأثر ذلك في بناء المجتمع وتشييد الحضارة.

 

 

 

الحمدُ للهِ حمدًا يُوافي نِعَمَهُ، ويُكافِئُ مَزيدَهُ، لكَ الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهِكَ، ولعظيمِ سُلطانِكَ، والصلاةُ والسلامُ الأتمَّانِ الأكملانِ على سيِّدِنا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ،

 

(1) دعوةُ الإسلامِ لإتقانِ العملِ والوصولِ بهِ إلى أعلى مراتبِ الجودةِ:

 

إتقانُ العملِ مقصدٌ شرعيٌّ حريٌّ بنا تطبيقُهُ في كافَّةِ المجالاتِ كي يتحقَّقَ للوطنِ السيادةُ والريادةُ {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، والإحكامُ والإتقانُ صفةٌ من صفاتِ اللهِ {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

 

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [شعبُ الإيمانِ].

 

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [رواه مسلم].

 

قال الطاهرُ بنُ عاشورٍ: (وقولُهُ: {وَأَحْسِنُوا} “الإحسانُ”: فِعْلُ النَّافِعِ المُلاءِمِ، وفي حذفِ متعلِّقِ: {أَحْسِنُوا}: تنبيهٌ على أنَّ الإحسانَ مطلوبٌ في كلِّ حالٍ) أ.هـ [التحريرُ والتنويرُ].

 

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رواه مسلم].

 

قال الإمامُ النوويُّ: (وهذا الحديثُ من الأحاديثِ الجامعةِ لقواعدِ الإسلامِ، واللهُ أعلمُ) [شرحُ النوويِّ على مسلمٍ].

 

وقال ابنُ رجبٍ: (وظاهرُهُ يقتضي أنَّهُ كتبَ على كلِّ مخلوقٍ الإحسانَ، فيكونُ كلُّ شيءٍ أو كلُّ مخلوقٍ هو المكتوبُ عليهِ، والمكتوبُ هو الإحسانُ…) أ.هـ [جامعُ العلومِ والحِكَمِ].

 

وضربَ لنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلًا عمليًّا في تدريبِ النشءِ على إتقانِ العملِ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِغُلَامٍ يَسْلُخُ شَاةً، فَقَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ، فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تُحْسِنُ تَسْلُخُ، قَالَ: فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبْطِ، ثُمَّ قَالَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: هَكَذَا يَا غُلَامُ فَاسْلُخْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ ماءً» [رواه ابنُ حبانَ].

 

لم يستكبرْ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن يُعلِّمَ الغلامَ ما خفيَ من إتقانِ السَّلخِ!! إنَّها مهمَّةُ المعلِّمِ، وإحساسُ المربِّي بمسؤوليَّةِ التقويمِ الدائمِ في كلِّ وقتٍ، وفي كلِّ عملٍ.

 

المُستقرِئُ للقرآنِ يجدُ أنَّ اللهَ ضربَ نماذجَ فريدةً في «إتقانِ العملِ»: كإتقانِ ذي القرنينِ بناءَ السَّدِّ حيثُ استخدمَ أعلى مواصفاتِ التِّقنيَّةِ {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95]، فكانتِ النتيجةُ الحتميَّةُ {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97].

 

وفي قصَّةِ داودَ عليهِ السلامُ: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11]، «والتقديرُ هنا بمعنى الإحكامِ والإجادةِ وحُسنِ التَّفكيرِ في عملِ الشَّيءِ، والسَّردُ: نسجُ الدروعِ وتهيئتُها لوظيفتِها» [التفسيرُ الوسيطُ للقرآنِ الكريمِ، أ.د/ محمد سيد طنطاوي].

 

قال الإمامُ البقاعيُّ: «أي: النَّسجُ بأن يكونَ كلُّ حلقةٍ مساويةً لأختِها مع كونِها ضيِّقةً؛ لئلَّا ينفذَ منها سهمٌ، ولتكنْ في تحتِها بحيثُ لا يقلعُها سيفٌ، ولا تُثقلُ على الدَّارعِ، فتمنعُهُ خفَّةَ التصرُّفِ، وسرعةَ الانتقالِ في الكرِّ والفرِّ، والطعنِ والضربِ، في البردِ والحرِّ» أ.هـ [نظمُ الدررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ، 15/459].

 

وتأمَّلْ قمَّةَ الإتقانِ الذي شُيِّدَ بهِ سليمانُ عليهِ السلامُ قصرَ بلقيسَ، فلمَّا عاينتْ علمتْ أنَّهُ نبيٌّ، فرجعتْ إلى رشدِها {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44]، وغيرُ ذلكَ ممَّا قصَّهُ علينا القرآنُ الكريمُ ممَّا يُثيرُ في المسلمِ حماسةَ «الإتقانِ في العملِ» بما يسمحُ للمنتجِ الوطنيِّ من غزوِ الأسواقِ، ورواجِ الصناعةِ على أكملِ وجهٍ.

 

(2) إتقانُ العملِ مع حُسنِ التوكُّلِ على اللهِ جلَّ وعلا:

 

{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2].

 

قال الإمامُ البقاعيُّ: (وحرفُ الاستعلاءِ «على»؛ للإشارةِ إلى أنَّهُ قد حمَلَ أمورَهُ كلَّها عليهِ سبحانهُ؛ لأنَّهُ القويُّ الذي لا يعصيهِ شيءٌ، والكريمُ الذي يُحسنُ حملَ ذلكَ ورعيَهُ، والعزيزُ الذي يدفعُ عنهُ كلَّ ضارٍّ، ويجلبُ لهُ كلَّ سارٍّ إلى غيرِ ذلكَ من المعاني الكبارِ…، فمن توكَّلَ استفادَ الأجرَ، وخُفِّفَ عنهُ الألمُ، وقُذِفَ في قلبِهِ السكينةُ، ومن لم يتوكَّلْ لم ينفعهُ ذلكَ، وزادَ ألمُهُ، وطالَ غمُّهُ بشدَّةِ سعيِهِ، وخيبةِ أسبابِهِ التي يعتقدُ أنَّها هي المُنجِحةُ) أ.هـ [نظمُ الدررِ في تناسبِ الآياتِ والسورِ].

 

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

 

قولُهُ: {في مَنَاكِبِهَا} قال الماورديُّ: (فيه أوجهٌ: أحدُها: في جبالِها، قالهُ ابنُ عباسٍ وقتادةُ وبشيرُ بنُ كعبٍ. الثاني: في أطرافِها وفجاجِها، قالهُ مجاهدٌ والسديُّ. الثالث: في طرفِها. الرابع: في منابتِ زرعِها وأشجارِها، قالهُ الحسنُ) أ.هـ (النكتُ والعيونُ).

 

قال مولانا الإمامُ الأكبرُ أ.د/ محمدُ سيدُ طنطاوي: (فالآيةُ الكريمةُ دعوةٌ حارَّةٌ للمسلمينَ؛ لكي ينتفعوا بما في الأرضِ من كنوزٍ، حتى يستغنوا عن غيرِهم في مطعمِهم، ومشربِهم، وملبسِهم، وسائرِ أمورِ معاشِهم…، فإنَّهُ بقدرِ تقصيرِهم في استخراجِ كنوزِها، تكونُ حاجتُهم لغيرِهم…، فعليهم أن يحتلُّوا مكانَهم، ويحافظوا على مكانتِهم، ويُشيِّدوا كيانَهم بالدينِ والدنيا معًا) أ.هـ.

 

السماءُ لا تمطرُ ذهبًا ولا فضةً، ولكن تمطرُ ماءً يشقُّ الأرضَ، فيجني الإنسانُ ثمارَها، ويعفُّ نفسَهُ، وينفعُ مجتمعَهُ؛ لذا عليهِ أن يأخذَ بالأسبابِ؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «لو أنَّكم كنتم تتوكَّلونَ على اللهِ حقَّ توكُّلِهِ؛ لرُزِقتم كما يُرزقُ الطيرُ، تغدو خماصًا، وتروحُ بطانًا» [رواه الترمذيُّ وحسَّنهُ].

 

قال القرطبيُّ – عند تفسيرِ قولِهِ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] –: (هذهِ الآيةُ أصلٌ في اتخاذِ الصنائعِ والأسبابِ، وهو قولُ أهلِ العقولِ والألبابِ، لا قولُ الجهلةِ الأغبياءِ القائلينَ بأنَّ ذلكَ إنَّما شُرِعَ للضعفاءِ، فالسببُ سنَّةُ اللهِ في خلقِهِ، فمن طعنَ في ذلكَ فقد طعنَ في الكتابِ والسنةِ، ونسبَ من ذكرنا إلى الضعفِ وعدمِ المنَّةِ) [الجامعُ].

 

أمرَ اللهُ السيدةَ مريمَ عليها السلامُ بهزِّ الجذعِ اليابسِ الذي لا رأسَ لهُ ولا ثمرَ، مع قدرتِهِ سبحانهُ على إنزالِ الرُّطبِ إليها من غيرِ هزٍّ ولا تحريكٍ، فقال: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].

 

قال ابنُ عجيبةَ: (إنَّ تحريكَ الأسبابِ الشرعيَّةِ لا يُنافي التوكُّلَ، لقولهِ تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ}، لكن إذا كانت خفيفةً مصحوبةً بإقامةِ الدينِ غيرَ معتمدٍ عليها بقلبِهِ، فإن كان متجرِّدًا فلا يرجعُ إليها حتى يكملَ يقينُهُ، ويتمكَّنَ في معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد كانت في بدايتِها تأتي إليها الأرزاقُ بغيرِ سببٍ كما في «سورةِ آلِ عمرانَ»، وفي نهايتِها قال لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ}.

 

قال الشيخُ أبو العباسِ المرسيُّ رضي اللهُ عنهُ: «كانت في بدايتِها متعرِّفًا إليها بخرقِ العاداتِ، وسقوطِ الأسبابِ، فلما تكاملَ يقينُها رجعت إلى الأسبابِ، والحالةُ الثانيةُ أتمُّ من الحالةِ الأولى» أ.هـ [البحرُ المديدُ في تفسيرِ القرآنِ المجيدِ].

 

وللهِ درُّ القائلِ:

 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ … وَهُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ

 

وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيَهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ … جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ

 

على قدرِ تعبِكَ وإتقانِكَ يكونُ أجرُكَ وثوابُكَ:

 

يُرسِّخُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مبدأَ أنَّ إتقانَ العملِ بابٌ للمغفرةِ؛ فعن ابنِ عباسٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: «مَن أمسى كالًّا من عملِ يدَيْهِ أمسى مغفورًا لهُ» [رواه الطبرانيُّ في «المعجمِ الأوسطِ»].

 

وللهِ درُّ القائلِ:

 

لِحَمْلي الصخرَ من قممِ الجبالِ *** أحبُّ إليَّ من مننِ الرجالِ

 

يقولُ الناسُ في الكسبِ عارٌ *** فقلتُ العارُ في ذلِّ السؤالِ

 

وعن عُبيدِ اللهِ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «إنَّ اللهَ يحبُّ المؤمنَ المُحترفَ» [رواه الطبرانيُّ في «المعجمِ الأوسطِ»].

 

الإنسانُ بين الإخفاقِ والسعي، النجاحِ والرسوبِ:

 

لقد بيَّنَ اللهُ في كتابِهِ العزيزِ أنَّ سنَّتَهُ الكونيَّةَ اقتضتْ أنَّهُ خلقَ البشرَ من أجلِ السعيِ والعملِ، وإلَّا لما كان للحياةِ طعمٌ أو مذاقٌ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، ومن فهمَ هذا القانونَ الربانيَّ عافرَ، وحاولَ مرَّةً بعدَ أخرى بغيةَ الوصولِ إلى إتقانِ عملِهِ؛ فلنَعِ قانونَ «الجهدِ المهدورِ» «قانونَ رجالِ الأعمالِ، والعباقرةِ الجسامِ»؛ فتجدُ الأسودَ مثلًا لا تنجحُ في الصيدِ إلَّا في ربعِ محاولاتِها، أي تفشلُ في 75% من صيدِها، ومع ذلكَ لا تيأسُ من محاولاتِ المطاردةِ والسعيِ للانقضاضِ على فريستِها، ونصفُ مواليدِ الدببةِ تموتُ قبلَ البلوغِ، ونصفُ بيوضِ الأسماكِ يتمُّ التهامُها… إلخ، ولا يزالُ هذا القانونُ الإلهيُّ مستمرًّا لا ينقطعُ عن نواميسِ الطبيعةِ، أمَّا الإنسانُ إذا أخفقَ في عملٍ ما فيتوقَّفُ عن السعيِ والمثابرةِ، ويستسلمُ للظروفِ.

 

وللهِ درُّ القائلِ:

 

بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المعالي *** ومَن طلبَ العُلا سهرَ الليالي

 

ومَن طلبَ العُلا من غيرِ كَدٍّ *** أضاعَ العمرَ في طلبِ المحالِ

 

يقولُ الإمامُ القِنَّوجيُّ: (قالَ علماؤُنا: أوَّلُ ما يُكابِدُ قطعَ سُرَّتِهِ، ثمَّ يُكابِدُ الارتضاعَ، ولو فاتَهُ لضاعَ، ثمَّ يُكابِدُ نبتَ أسنانِهِ، وتحرُّكَ لسانِهِ، ثمَّ يُكابِدُ الفِطامَ، ثمَّ يُكابِدُ الختانَ، والأوجاعَ، والأحزانَ، ثمَّ يُكابِدُ المعلِّمَ وصولتَهُ، والمؤدِّبَ وسياستَهُ، والأستاذَ وهيبتَهُ، ثمَّ يُكابِدُ شغلَ التزويجِ والتعجيلَ فيهِ، ثمَّ يُكابِدُ شغلَ الأولادِ، والخدمِ والأجنادِ، ثمَّ يُكابِدُ شغلَ الدورِ، وبناءَ القصورِ، ثمَّ الكِبَرَ والهَرَمَ، وفي مصائبَ يكثرُ تعدادُها، ونوائبَ يطولُ إيرادُها، ويُكابِدُ مِحَنًا في المالِ والنفسِ، ولا يمضي عليهِ يومٌ إلَّا يُقاسي فيهِ شدَّةً، ولا يُكابِدُ إلَّا مشقَّةً، ثمَّ الموتُ بعدَ ذلكَ كلِّهِ، ثمَّ مسألةُ المَلَكِ، وضغطةُ القبرِ وظلمتُهُ، ثمَّ البعثُ والعرضُ على اللهِ إلى أن يستقرَّ بهِ القرارُ، إمَّا في الجنةِ وإمَّا في النارِ) أ.هـ [فتحُ البيانِ في مقاصدِ القرآنِ].

 

(3) حاجةُ الوطنِ للإتقانِ في جميعِ مجالاتِ الحياةِ:

 

الإهمالُ في العملِ يُوهِنُ الوطنَ، وينحدرُ بمستواهُ الفكريِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ؛ وهذا الإخلالُ ناتجٌ عن ضعفِ الإيمانِ باللهِ؛ إذ الإتقانُ ثمرةٌ من ثمراتِ المراقبةِ لهُ سبحانهُ؛ لأنَّهُ مُطَّلِعٌ علينا، فالمسلمُ بحقٍّ هو الذي لا يُراقبُ رئيسَهُ في العملِ، بل يُراقبُ الخالقَ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61].

 

عملُكَ أمانةٌ ستُسألُ عنها يومَ القيامةِ {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، وإهمالُ العاملِ في عملِهِ يُعَدُّ خيانةً للأمانةِ؛ لأنَّهُ مُؤتمنٌ على العملِ الذي وُكِّلَ إليهِ، وكُلِّفَ بهِ، حيثُ لم يُؤدِّهِ على الوجهِ المطلوبِ مع تقاضيهِ أجرًا عليهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفقٌ عليهِ].

 

ولكي يُنَمِّيَ الشارعُ ثقافةَ «إتقانِ العملِ» بين المُكلَّفينَ أوجبَ الضمانَ، والحجرَ على من لا يُحسنُ عملًا ويُباشرُهُ:

 

من أجلِ حفظِ أرواحِ الناسِ، وترغيبِهم في السعيِ والعملِ، وتقدُّمِ المجتمعاتِ، أوجبَ الفقهاءُ الضمانَ على الذي لا يُحسنُ عملًا ويُباشرُهُ فيُفسدُ حياةَ الخلقِ؛ فعن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قبلَ ذلكَ، فهو ضامنٌ» [رواه ابن ماجه].

 

قال الكاسانيُّ: (رُويَ عن أبي حنيفةَ – رحمهُ اللهُ – أنَّهُ كان لا يُجري الحجرَ إلا على ثلاثةٍ: المفتي الماجنِ، والطبيبِ الجاهلِ، والمكاري المُفلسِ، يُمنعُ هؤلاءِ الثلاثةُ عن عملِهم حسًّا؛ لأنَّ المفتي الماجنَ يُفسدُ أديانَ المسلمينَ، والطبيبَ الجاهلَ يُفسدُ أبدانَ المسلمينَ، والمكاري المُفلسَ يُفسدُ أموالَ الناسِ في المفازةِ) أ.هـ [بدائعُ الصنائعِ في ترتيبِ الشرائعِ].

 

إنَّ إتقانَ العملِ وإن كان يُتعبُ صاحبَهُ في دارِ الفناءِ، لكنَّهُ يُيسِّرُ عليهِ الحسابَ في دارِ البقاءِ؛ فإنَّهُ سيُسألُ عن مالِهِ: «من أين اكتسبَهُ، وفيمَ أنفقَهُ؟»، فتكونُ لديهِ الحُجَّةُ، ويُدخلهُ اللهُ – عزَّ وجلَّ – الجنةَ؛ فعن جابرٍ قالَ: أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ النعمانُ بنُ قوقلٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إذا صلَّيتُ المكتوبةَ، وحرَّمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ، أأدخلُ الجنةَ؟ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «نعم» [رواه مسلم].

 

(4) وسائلُ تُعِينُ على إتقانِ العملِ:

 

أولًا: التَّشجيعُ المستمرُّ، ووضعُ المُحفِّزاتِ الماديَّةِ والمعنويَّةِ: إذا كان المُقصِّرُ في عملِهِ يُذمُّ فإنَّهُ يُثابُ المُتقنُ على تفانيهِ وإخلاصِهِ واجتهادِهِ في عملِهِ من أجلِ تقدُّمِهِ وإنجاحِهِ، وقد بيَّن ربُّنا في كتابِهِ العزيزِ نتيجةَ من يُتقنُ عملَهُ ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وشجَّع رسولُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المسلمَ على إتقانِهِ العملَ ووضعَ حوافزَ لذلكَ؛ فعن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (متفقٌ عليهِ)، وبشَّرَ من يُحسِنُ وضوءَهُ وصلاتَهُ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا» [متفقٌ عليهِ].

 

ثانيًا: التَّعلُّمُ والإتقانُ عمليَّةٌ مستمرَّةٌ لا تنقطعُ: لما كانتِ العبادةُ لا تنقطعُ عن المسلمِ ما دامَ حيًّا على ظهرِ هذهِ الأرضِ كما قالَ ربُّنا مخاطبًا نبيَّهُ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وقالَ أيضًا على لسانِ عيسى عليهِ السلامُ: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، فكذلكَ التعلُّمُ واكتسابُ الخبراتِ والمهاراتِ لا يقفُ عند حدٍّ معيَّنٍ، وإنَّما يحتاجُ إلى صبرٍ ومحاولةٍ؛ قالَ ابنُ مسعودٍ: «فَعَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ مَأْدُبَةُ اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَأْدُبَةِ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» [رواهُ البزَّارُ، ورجالُهُ موثَّقونَ]، وقد يحتاجُ الإتقانُ إلى وقتٍ طويلٍ بحسبِ طبيعةِ العملِ؛ فقد مكثَ ابنُ حجرٍ في تأليفِ «فتحِ الباري» خمسًا وعشرينَ عامًا، وابنُ عبدِ البرِّ مكثَ في تأليفِ «التمهيدِ» ثلاثينَ عامًا، والإمامُ البخاريُّ أتقنَ ترتيبَ كتابِهِ «الصحيحِ» على الأبوابِ الفقهيَّةِ أيَّما إتقانٍ، وكان لا يضعُ حديثًا حتى يُصلِّيَ ركعتينِ.

 

ثالثًا: تمثُّلُ القدوةِ الحسنةِ: من أهمِّ القيمِ التي كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسعى إلى غرسِها في نفوسِ صحابتِهِ هو إتقانُ العملِ وتحسينُهُ، سواءٌ كان عملًا دينيًّا أو دنيويًّا، وذلكَ بالجمعِ بين العلمِ والعملِ معًا؛ فعن أبي عبدِ الرحمنِ قال: حدَّثنا من كان يُقرئُنا من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهم كانوا «يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ»، قالوا: «فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ» [رواهُ أحمدُ].

 

وهذا نبيُّ اللهِ داودُ عليهِ السلامُ الذي امتنَّ اللهُ عليهِ بتعليمِهِ مبادئَ الصناعةِ العسكريَّةِ، فكان يستخدمُ الحديدَ في صناعةِ الدروعِ وآلاتِ الحربِ المختلفةِ، فكان لهُ قدمُ السَّبقِ في ذلكَ ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، وكان إذا أتمَّ صنعَ درعٍ باعها، وتصدَّقَ بثلثِها، واشترى بثلثِها ما يكفيه وعيالَهُ، وأمسكَ الثلثَ يتصدَّقُ بهِ يومًا بيومٍ إلى أن يعملَ غيرَها، فهو عليهِ السلامُ يقتاتُ من تلكَ الصناعةِ مع أنَّ اللهَ جمعَ لهُ بين الملكِ والنبوَّةِ؛ فعن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «أنَّ داودَ النبيَّ عليهِ السلامُ كان لا يأكلُ إلا من عملِ يدِهِ» [رواهُ البخاريُّ].

 

قال ابنُ حجرٍ: (والحكمةُ في تخصيصِ «داودَ» بالذكرِ أنَّ اقتصارَهُ في أكلِهِ على ما يعملُهُ بيدِهِ لم يكن من الحاجةِ؛ لأنَّهُ كان خليفةً في الأرضِ كما قالَ اللهُ، وإنَّما ابتغى الأكلَ من طريقِ الأفضلِ؛ ولهذا أوردَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قصتَهُ في مقامِ الاحتجاجِ بها على ما قدَّمَهُ من أنَّ خيرَ الكسبِ عملُ اليدِ، وهذا بعدَ تقريرِ أنَّ «شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا»، ولا سيَّما إذا وردَ في شرعِنا مدحُهُ وتحسينُهُ مع عمومِ قولِهِ تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، وفي الحديثِ أنَّ التكسُّبَ لا يقدحُ في التوكُّلِ) أ.هـ.

 

(5) الاحتيالُ جريمةٌ دينيَّةٌ وأخلاقيَّةٌ:

 

الإسلامُ رغَّبَ الإنسانَ أن يُيسِّرَ على الناسِ، خاصَّةً في المعاملاتِ التجاريَّةِ، ورتَّبَ على فعلِ ذلكَ عظيمَ الثوابِ؛ فمن خفَّفَ عن الخلقِ، ورأفَ بهم، صدقَ فيهِ قولُ رسولِنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» [رواه مسلم]، أمَّا من استغلَّ حاجةَ الناسِ وظروفَهم، وتلاعبَ بأموالِهم، واستخدمَ حِيَلَهُ المختلفةَ، وألاعيبَهُ الملتويةَ، فراحَ يجمعُ أموالَهم دونَ وجهِ حقٍّ، ففعلُهُ هذا لا يجلبُ لهُ سوى الخرابِ في الدنيا، فضلًا عمَّا ينتظرُهُ في الآخرةِ من العذابِ؛ قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ»، قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وإنْ كانَ شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإنْ كانَ قضيبًا من أراكٍ» [رواه ابن حبان].

 

من أخذَ أموالَ الناسِ وهو يريدُ ردَّها، يسَّرَ اللهُ لهُ ذلكَ: عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذكر رجلًا من بني إسرائيلَ سأل بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلِفَه ألفَ دينارٍ ، فقال : ائتِني بالشُّهداءِ أُشهِدْهم . فقال : كفى باللهِ شهيدًا . قال : فائتِني بالكفيلِ . قال : كفى باللهِ كفيلًا . قال : صدقتَ . فدفعها إليه إلى أجلٍ مسمًّى ، فخرج في البحرِ فقضى حاجتَه ، ثم التمس مركبًا يركبُه ويَقْدَمُ عليه للأجلِ الذي أجَّلَه ، فلم يجدْ مركبًا ، فأخذ خشبةً فنقرَها ، فأدخل فيها ألفَ دينارٍ وصحيفةٍ منه إلى صاحبِها ، ثم زجَّج موضعَها ، ثم أتى بها البحرَ فقال : اللهم إنك تعلمُ أني تسلَّفتُ فلانًا ألفَ دينارٍ فسألني كفيلًا ، فقلتُ : كفى باللهِ كفيلًا ؛ فرضِيَ بك ، وسألني شهيدًا ، فقلتُ : كفى باللهِ شهيدًا ؛ فرضِيَ بك ، وإني جهدتُ أن أجِدَ مركبًا أبعثُ إليه الذي له فلم أَقْدِرْ ، وإني استودَعتُكها ، فرمى بها في البحرِ حتى ولَجَتْ فيه ، ثم انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلدِه ، فخرج الرجلُ الذي كان أسلفَه ينظرُ لعل مركبًا قد جاء بمالِه ، فإذا الخشبةُ التي فيها المالُ ! فأخذها لأهلِه حطبًا ! فلما نشرها وجد المالَ والصحيفةَ ! ثم قدم الذي كان أسلَفه وأتى بألفَ دينارٍ ، فقال : واللهِ ما زلتُ جاهدًا في طلبِ مركبٍ لآتيَك بمالِك ، فما وجدتُ مركبًا قبلَ الذي أتيتُ فيه . قال : هل كنت بعثتَ إليَّ بشيءٍ ؟ قال : أخبرك أني لم أجدْ مركبًا قبل الذي جئتُ فيه . قال : فإنَّ اللهَ قد أدَّى عنك الذي بعثْتَه في الخشبةِ ، فانصرِفْ بالألفِ الدينارِ راشدًا » [رواه البخاري].أدعية وأذكار

 

التاجرُ الذي يعرضُ خدماتِهِ على الناسِ يُشترطُ أن تتوافرَ فيهِ صفتانِ: «الأمانةُ، والخبرةُ»؛ ولذا لما طلبَ يوسفُ عليهِ السلامُ إمارةَ مصرَ قالَ اللهُ على لسانِهِ: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فإذا انعدمتْ إحداهما لم يجزْ لهُ أن يتاجرَ في أموالِ الناسِ، والإنسانُ الفَطِنُ اللبيبُ هو الذي يُحكِّمُ عقلَهُ فيما يُعرضُ لهُ، ولا يُعطي من أمامهِ فرصةً أن ينصبَ عليهِ أو يغشَّهُ، حتى ولو كان متستِّرًا بشعارِ الدينِ؛ يقولُ عمرُ بنُ الخطابِ: «لستُ بالخِبِّ، والخِبُّ لا يخدعني»، أي: لستُ مُخادعًا، والمُخادعُ لا يخدعني، ولذا كان الإنسانُ مسؤولًا شرعًا وقانونًا عن تصرُّفِهِ هذا؛ إذ ما فعلَهُ كان عن حريَّةٍ واختيارٍ دونَ إكراهٍ أو إجبارٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، فلا يلومُ إلا نفسَهُ، ولا يُحمِّلُ تبعاتِهِ غيرَهُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، و«العاقلُ من اتَّعظَ بغيرِهِ، والأحمقُ من اتَّعظَ بنفسِهِ».

 

الإسلامُ أعطى للحاكمِ أن يسنَّ قوانينَ حازمةً للمحافظةِ على المالِ باعتبارِهِ أحدَ الضروريَّاتِ الخمسِ، ووضعَ لذلكَ عقوباتٍ رادعةً لمن تُسوِّلُ لهُ نفسُهُ أن يتلاعبَ بأموالِ المُودِعينَ أو غيرِهم؛ فأوجبَ حدَّ السرقةِ، وعقوبةَ التعزيرِ، فقالَ ربُّنا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وشرعَ عقوبةَ الضمانِ؛ إذ من أتلفَ شيئًا فعليهِ إصلاحُهُ؛ فعن عبادةَ بنِ الصامتِ: «أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قضى أن لا ضررَ ولا ضرارَ» [رواه ابن ماجه]، وجعلَ تأخيرَ السدادِ مع القدرةِ من بابِ الظلمِ؛ فعن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» [متفقٌ عليهِ].أدعية وأذكار

 

نسألُ اللهَ أن يرزقَنا حُسنَ العملِ، وفضلَ القبولِ، إنَّهُ أكرمُ مسؤولٍ، وأعظمُ مأمولٍ، وأن يجعلَ بلدَنا مِصرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا، وسائرَ بلادِ العالمينَ، ووفَّقَ ولاةَ أمورِنا لما فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ”

 

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=12769

موضوعات ذات صلة

الشيخ جمال فراج يكتب .. دعوة الإسلام إلى التراحم فى خطبة الجمعة

سيد ابوسيف

شريهان عنتر تكتب.. في رحاب ( فإني قريب )

سيد ابوسيف

الشيخ جمال فراج يكتب ..المِهَنُ في الإسلامِ طريقُ العُمرانِ والإيمانِ معًا .. في خطبة الجمعة

سيد ابوسيف

شريهان عنتر

بورسعيد × 24 ساعة| جولات مكثفة للمحافظ ومشروعات سكنية وتطوير شامل.. وحملات رقابية وخدمية مستمرة

سيد ابوسيف

اعتراف صادم لسيدتين: إدارة شبكة لممارسة الأعمال المنافية للآداب عبر الإنترنت

سيد ابوسيف