مقالات

حق الطريق والسيئات الجارية: من أزقة الواقع إلى فضاءات الإنترنت

 

يرتبط مفهوم “الطريق” في أذهاننا بالرصيف والشارع الذي نسير عليه، ولكن بمعناه الأشمل والعميق: هو السبيل والوسيلة التي يسلكها الناس للوصول إلى مقاصدهم وغاياتهم، سواء كانت هذه المقاصد مادية كالسعي للرزق، أو معنوية كطلب العلم والتواصل.

​ولأن الإسلام منهج حياة متكامل، فقد وضع لـ “الطريق” أحكاماً وآداباً تضمن سلامة السالكين، وحذر أشد التحذير مما يفسد هذا السبيل أو يحوله إلى مصدر للذنوب المستمرة التي تلاحق الإنسان حتى بعد رحيله، وهو ما يُعرف بـ “السيئات الجارية”. ومع اتساع عالمنا اليوم، انتقل هذا المفهوم بقوة من الطرقات الواقعية إلى “طرقات الإنترنت” الافتراضية.

​أولاً: حق الطريق في الإسلام (الأصل المادي)

​لقد رسخ الرسول ﷺ مبدأ احترام المساحات العامة وحقوق العابرين في الحديث الشريف عندما قال لأصحابه:

“إياكم والجلوس في الطرقات”، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: “فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه”، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: “غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. (متفق عليه)

 

​فحق الطريق هنا يرتكز على معادلة بسيطة وعميقة: تأمين المارّة جسدياً وأخلاقياً. كف الأذى لا يقتصر على إزالة حجر من الطريق فحسب، بل يشمل كف الأذى البصري واللفظي والتحرش والتضييق على الناس في معاشهم.

​ثانياً: مفهوم “السيئات الجارية”

​مثلما توجد “صدقة جارية” يمتد أثرها وثوابها للمؤمن بعد موته، هناك في المقابل “سيئات جارية”؛ وهي الآثام التي يبتدعها الإنسان أو ينشرها، فيقلده فيها غيره أو يستمر أثرها السيئ في المجتمع بعد رحيله أو توقفه عنها.

​يقول الله تعالى في سورة يس:

​إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس: 12]

 

​فالأثر هو ما يتركه الإنسان خلفه من خير أو شر. ومن أفسد طريق الناس بنشر الفاحشة أو المنكر، فقد أسس لسيئة جارية تُكتب في صحيفته كلما مرّ بها مارّ أو تضرر منها عابر.

​ثالثاً: الإنترنت.. “الطريق الرقمي” الأعظم في عصرنا

​إذا طبقنا تعريف الطريق بأنه “السبيل لوصول الناس لمقاصدهم”، فإن الإنترنت اليوم هو أضخم شبكة طرق في تاريخ البشرية. عبر هذه الشبكة، يسير ملايين البشر يومياً لقضاء حوائجهم، والتعلم، والعمل، والتواصل.

​ولكن، كما أن هناك قطاع طرق ومفسدين في الشوارع الحقيقية،

فإن “الطرق الرقمية” تعج اليوم بما يفسد على الناس دينهم وأخلاقهم وسكينتهم، وتحديداً من خلال إشاعة الفاحشة ونشرها.

​كيف يتحول الإنترنت إلى منبع للسيئات الجارية؟

 

    • سرعة الانتشار والخلود الرقمي: في الشارع المادي، قد يسمع كلاماً سيئاً بضعة أشخاص ويموت الأثر بانتهاء الموقف. أ
    • ما على الإنترنت، فإن كبسة زر واحدة (مشاركة/Share) لـ “فيديو” خادش للحياء، أو صورة مخلة، أو إشاعة كاذبة، كفيلة بنشرها بين الآلاف في ثوانٍ معدودة.
    • البقاء بعد الرحيل: الحسابات الشخصية والمنشورات تظل قائمة ومتاحة للجميع حتى بعد وفاة أصحابها. كم من مقطع يحتوي على منكر لا يزال يُشاهد ويُتداول وصاحبه قد وسّد في قبره، والعداد لا يتوقف عن تسجيل السيئات الجارية!
    • المجاهرة وتزيين الباطل: تيسير الوصول إلى الفاحشة وجعلها مألوفة للناس يندرج تحت وعيد الآية الكريمة: ​إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: 19] فالذي ينشر محتوى هابطاً أو يدعو للرذيلة، لا يرتكب ذنباً شخصياً فحسب، بل يساهم في جعل الفاحشة سلوكاً عاماً ومستساغاً.

​إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: 19]

 

فالذي ينشر محتوى هابطاً أو يدعو للرذيلة، لا يرتكب ذنباً شخصياً فحسب، بل يساهم في جعل الفاحشة سلوكاً عاماً ومستساغاً.

 

​ربيبتان لا تفترقان: كيف نؤدي “حق الطريق الرقمي”؟

​لكي ننجو بأنفسنا ونحمي مجتمعاتنا، يجب أن نسقط آداب الطريق النبوي على سلوكنا الرقمي كالتالي:

      • غض البصر الرقمي: بتجنب تتبع العورات، والبحث عن المحرمات، وعمل “إلغاء متابعة” للحسابات التي تروج للابتذال.
      • كف الأذى الرقمي: بعدم كتابة التعليقات الجارحة،
      • وعدم مشاركة المحتوى الذي يثير الفتن أو ينشر الفساد الأخلاقي، وتجنب نشر الشائعات.
      • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الرقمي: بدعم المحتوى الهادف والنافع، والإبلاغ (Report) عن الحسابات والمقاطع التي تنشر الرذيلة وتفسد الذوق العام.

​إن الإنترنت “طريق” حيوي، وإفساده بنشر الفاحشة هو إفساد لسبيل الناس المعنوي والأخلاقي.

تذكّر دائماً أن أثر الكلمة أو الصورة أو المقطع الذي تشاركه لن يقف عندك؛ فإما أن تجعله “صدقة جارية” يهدى بها ضال أو يُغاث بها ملهوف، وإما أن ترتد عليك “سيئة جارية” يمتد حبلها في صحيفتك إلى ما شاء الله.

فلنطهر طرقنا الواقعية والافتراضية، ولنترك خلفنا أثراً يسرّنا يوم نلقى الله.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=14688

موضوعات ذات صلة

بين يدي خطبة الجمعة.. قيمة الإحترام..مع الشيخ جمال فراج

سيد ابوسيف

شريهان عنتر تكتب..سمك ..لبن..تمر هندي

سيد ابوسيف

الشيخ جمال فراج يكتب..الاوقاف تحذر في الجزء الثاني من خطبة الجمعة من ظاهرة” سب الدين “

سيد ابوسيف

بين يدي خطبة الجمعة..سلامة الصدر و اثره على الفرد و المجتمع..يقدمها الشيخ جمال فراج

سيد ابوسيف

شريهان عنتر تكتب..دولة التلاوة والحلاوة

سيد ابوسيف

كيف نستقبل العام الجديد؟ 

سيد ابوسيف