حددت وزارو الأوقاف موضوع التنمر واثره على الفرد والمجتمع في خطبة الجمعة المقبلة وفي هذه السطور يقدم لنا الشيخ جمال فراج من علماء وزارة الأوقاف هذه الخطبة.
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَكَرَّمَهُ وَفَضَّلَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْخَيْرِ، وَطَرِيقُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
الإسلام يبني مجتمع دامج
إِنَّ الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ القَوِيمَ جَاءَ لِيَبْنِيَ مُجْتَمَعًا مُتَرَابِطًا يَقُومُ عَلَى المَوَدَّةِ وَالاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ، وَيَصُونُ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ عَنْ كُلِّ مٰا يُؤْذِيهَا. وَإِنَّ مِنْ الآفَاتِ الخَطِيرَةِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَى المُجْتَمَعَاتِ فِي زَمَانِنَا هَذَا، ظَاهِرَةَ “التَّنَمُّرِ”، وَهُوَ السُلُوكُ العُدْوَانِيُّ المُتَعَمَّدُ الَّذِي يَهْدِفُ إِلَى إِيذَاءِ الآخَرِينَ مَادِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ بِالقَوْلِ أَوْ الفِعْلِ أَوْ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الحَدِيثَةِ.
وَلَقَدْ حَذَّرَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ مِثْلَ هَذِهِ السُلُوكِيَّاتِ المُؤْذِيَةِ فِي آيَةٍ جَامِعَةٍ لِأَدَبِ التَّعَامُلِ،
فَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
فَمَنْ يَتَنَمَّرُ عَلَى غَيْرِهِ يُسِيءُ فِي الحَقِيقَةِ إِلَى صُنْعِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ.
أثار التنمر
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ لِلتَّنَمُّرِ آثَارًا كَارِثِيَّةً تَعُودُ بِالضَّرَرِ البَالِغِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:
- الأَثَرُ عَلَى الفَرْدِ: يُحَطِّمُ التَّنَمُّرُ نَفْسِيَّةَ المُنْتَقَصِ مِنْهُ، وَيَزْرَعُ فِي قَلْبِهِ الخَوْفَ وَالعُزْلَةَ وَالانْطِوَاءَ، وَقَدْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى الإِحْبَاطِ وَالفَشَلِ الدِّرَاسِيِّ أَوْ المِهَنِيِّ، وَرُبَّمَا المَشَاعِرِ السَّدَاوِيَّةِ الَّتِي تُفْقِدُهُ لَذَّةَ العَيْشِ.
- الأَثَرُ عَلَى المُجْتَمَعِ: يُفَكِّكُ التَّنَمُّرُ أَنِسْجَةَ المَوَدَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَنْشُرُ البَغْضَاءَ وَالأَحْقَادَ، وَيُحَوِّلُ البيئَةَ المَدْرَسِيَّةَ أَوْ العَمَلِيَّةَ مِنْ بيئَةِ بِنَاءٍ وَعَطَاءٍ إِلَى بيئَةِ طَرْدٍ وَقَلَقٍ.
وَقَدْ شَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حُرْمَةِ المَشَاعِرِ وَالأَعْرَاضِ فَقَالَ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَدَاعِ:
«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [متفق عليه].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
فَإِنَّ العِلَاجَ يَبْدَأُ مِنْ الأُسْرَةِ بِتَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى خُلُقِ التَّوَاضُعِ وَاحْتِرَامِ الآخَرِينَ، وَتَعْلِيمِهِمْ أَنَّ الفَضْلَ لا يَكُونُ بِالشَّكْلِ أَوْ المَالِ أَوْ النَّسَبِ، بَلْ بِالتَّقْوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ؛
قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم].
كَمَا يَبْرُزُ دَوْرُ المَدَارِسِ وَالإِعْلَامِ فِي التَّوْعِيَةِ وَمُحَارَبَةِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ،
وَتَغْلِيظِ العُقُوبَاتِ الرَّادِعَةِ لِكُلِّ مَنْ يَعْتَدِي عَلَى كَرَامَةِ الإِنْسَانِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ،
وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا،
وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاجْعَلْنَا إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ فِيكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
