الحمد لله الذي جعل الهجرة إليه ملاذاً للخائفين، ومستراحاً للعابدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل القلوب تهاجر إليه بأشواقها قبل الأبدان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المهاجرين، وقدوة السالكين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون:
حين يتردد في مسامعنا لفظ “الهجرة”، تنصرف عقولنا مباشرة إلى ذلك الحدث التاريخي العظيم؛ هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. وهي بلا شك حدث غيّر مجرى التاريخ. لكن خلف هذه الهجرة المكانية فقهٌ أعمق، وهجرةٌ أصلية لا تنقطع بمرور العصور ولا تبلى بتعاقب الأزمان؛ إنها الهجرة بالقلب والروح إلى الله جل في علاه.
أولاً: ما هو فقه الهجرة إلى الله؟
إن الهجرة في حقيقتها ليست مجرد انتقال من أرض إلى أرض، بل هي انتقال بالروح من حال إلى حال. فقه الهجرة إلى الله يعني أن يظل قلبك في حالة سفر دائم وفرار مستمر من كل ما يباعدك عن الله، إلى كل ما يقربك إليه.
لقد لخص النبي ﷺ هذا المفهوم العميق في كلمات جوامع، حين قال:
“والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ” (متفق عليه).
هذا هو المحور الأساسي؛ الهجرة هي ترك، وهجران، ومقاطعة لكل ما يسخط الله تعالى، والارتحال بكليّتك إلى رحاب طاعته ورضاه.
ثانياً: الهجرة من مكة إلى يثرب.. التطبيق العملي والملحمة الخالدة
أيها المسلمون، إن الحديث عن فقه الهجرة لا يستقيم دون أن نقف إجلالاً وتدبراً أمام ذلك التطبيق العملي العظيم؛ يوم أذن الله لنبيه ﷺ وللمؤمنين بالهجرة من مكة المكرمة إلى يثرب. إنها لم تكن رحلة هروب من اضطهاد، بل كانت خطة استراتيجية لبناء أمة، وتحولاً تاريخياً صاغ وجه البشرية. وفي تفاصيل هذه الرحلة تجسّد “فقه الهجرة إلى الله” في أبهى صوره:
-
- ألم الفراق وحب الأوطان: لقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة في الوفاء للأوطان، فالهجرة إلى الله لا تعني نزع الإنسانية من القلوب. وقف النبي ﷺ على مشارف مكة، والتفت إليها بقلب يعتصره الألم وقال كلماته الخالدة التي تفيض حنيناً: “واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أني أُخرِجتُ منكِ ما خرَجتُ” (رواه الترمذي). لكن حين تعارض حب الوطن مع حرية العقيدة وإقامة دين الله، هاجر النبي ﷺ مقدماً مراد الله على مراد نفسه.
“واللهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أني أُخرِجتُ منكِ ما خرَجتُ” (رواه الترمذي).
لكن حين تعارض حب الوطن مع حرية العقيدة وإقامة دين الله، هاجر النبي ﷺ مقدماً مراد الله على مراد نفسه.
-
-
- التخطيط الدقيق مع كمال التوكل: إن فقه الهجرة يعلمنا أن التوكل على الله لا يعني التواكل. لقد خطط النبي ﷺ لرحلته بأعلى درجات الدقة البشرية: بات علي بن أبي طالب في فراشه للتمويه ورد الأمانات، واتخذ من غار ثور مخبأً لثلاثة أيام عكس اتجاه المدينة، واستعان بعبد الله بن أريقط كدليل، وقامت أسماء بنت أبي بكر بتموين الرحلة، وأخوها عبد الله بنقل الأخبار، وعامر بن فهيرة بإخفاء الآثار. كل هذا والأمر بيد الله، ليعلمنا أن الأخذ بالأسباب جزء لا يتجزأ من السير والرحيل إلى الله.
- المعيّة الإلهية المطلقة: حين تنقطع الأسباب البشرية، تتدخل القدرة الإلهية لتثبت المهاجرين الصادقين. وقف المشركون على فم الغار، حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجلاً: “يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا”. فجاءه الرد النبوي الواثق الذي يزلزل القلوب ويثبت الأقدام: “يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”. هذه المعية هي الجائزة الكبرى لكل من هاجر إلى الله وترك خلفه كل شيء؛ أن يكون الله معه، حامياً ومؤيداً وناصراً.
-
“يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”.
هذه المعية هي الجائزة الكبرى لكل من هاجر إلى الله وترك خلفه كل شيء؛ أن يكون الله معه، حامياً ومؤيداً وناصراً.
-
-
-
- من يثرب إلى “المدينة المنورة”: ولم يكن اختيار “يثرب” عبثاً، بل كان اختياراً إلهياً لأرضٍ طيّبة وأهلٍ أوفياء. وحين أقبل الركب النبوي الشريف، اهتزت يثرب فرحاً واستبشاراً، وتنافس الأنصار في استقباله، لتتحول يثرب منذ ذلك اليوم إلى “المدينة المنورة”؛ عاصمة الإسلام الأولى، ومحضن المهاجرين، ومنطلق النور إلى سائر أرجاء الأرض.
-
-
ثالثاً: معالم الهجرة القلبيّة والروحية
أيها الإخوة، إذا كانت الهجرة إلى يثرب قد تمت باللّبنات والأبدان، فإن هجرتنا اليوم تتحقق بالقلوب والنيات عبر معالم واضحة:
-
-
-
- الهجرة من الجهل إلى العلم: ألا يرضى المسلم لنفسه أن يعيش جاهلاً بدينه، أو بصفات ربه، بل يهاجر بعقله نحو نور الوحي والفهم.
- الهجرة من المعصية إلى الطاعة: وهي أعظم الهجرات وأشدها على النفس؛ أن تهجر ذنب الخلوات، وأكل الحرام، والغيبة، لتسكن في أرخص حِمى الطاعات والقرُبات.
- الهجرة من الغفلة إلى اليقظة والذكر: أن يهاجر لسانك وقلبك من مجالس اللغو والغفلة، ليكون رطباً بذكر الله، مستحضراً لمراقبته في كل حين.
- الهجرة من الخلق إلى الخالق: ألّا يتعلق قلبك بالبشر مدحاً أو ذماً، نفعاً أو ضراً، بل يهاجر قلبك من الاعتماد على الأسباب إلى مسبب الأسباب سبحانه.
-
-
قال تعالى مبيناً هذا الفرار المقدّس:
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50].
رابعاً: زاد الطريق في الهجرة إلى الله
أيها الأحبة، إن أي سفر يحتاج إلى زاد، وسفر القلوب إلى الله يحتاج إلى زاد من نوع خاص:
-
-
-
- الإخلاص التام: فالقلب الذي يلتفت يمنة ويسرة لطلب رضا الناس لا يصل في هجرته.
- الصبر والمجاهدة: فالهجرة إلى الله محفوفة بالمكاره والشهوات، والنفس تميل إلى الدعة والراحة، والوصول يحتاج إلى مدافعة مستمرة وطويل نَفَس.
- الرفقة الصالحة: فالمرء في هجرته يحتاج إلى مثل “أبي بكر” في طريقه، يثبت قدمه إذا زلت، ويذكره بالله إذا نسي.
-
-
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
أيها المسلمون، إن الهجرة التاريخية من مكة إلى المدينة قد انقطعت كحكم شرعي بعد فتح مكة، كما قال ﷺ: “لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ”. لكن هجرة القلوب باقية ما بقيت الروح في الجسد، ولا عذر لأحد في تركها.
إننا نعيش في زمن تلاطمت فيه الفتن، وكثرت فيه الصوارف عن الله، وهنا تتأكد أهمية هذه الهجرة الروحية. العبادة في أوقات الفتن والغفلة تعدل في أجرها وثوابها هجرة إلى النبي ﷺ في مدينته، كما قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:
“العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ” (رواه مسلم). والهرج هو زمن الفتن واختلاط الأمور.
فلنفتش في قلوبنا: ما الذي يحتاج إلى هجر؟
هل نحتاج إلى هجر الشاشات والمواقع التي تسرق أعمارنا؟ أم هجر الخصومات والقطيعة التي تملأ صدورنا؟ أم هجر التكاسل عن الصلوات والتهاون في أداء الأمانات؟
ليكن لكل منا اليوم هجرة، يبدأها بنيّة صادقة، ويرحل بها إلى الله تائباً مستغفراً.
الدعاء
-
-
-
- اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرّف قلوبنا إلى طاعتك.
- اللهم اجعلنا ممن هاجر إليك بقلبه وروحه وجوارحه، فقبلت هجرته، وغفرت زلته، ورفعت درجته.
- اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
- اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه.
-
-
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، وأقم الصلاة
