الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، قيوم السماوات والأرضين. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخُلُق العظيم، والقلب الرحيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وهادياً إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين؛ قال تعالى:
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].
المحور الأول: حقيقة سلامة الصدر ومكانتها في الدين
أيها المسلمون، إن من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عبده في هذه الحياة، أن يرزقه صدراً سليماً، وقلباً نقياً، خالياً من الغل والحقد والحسد والضغينة. سلامة الصدر هي البطاقة الرابحة يوم العرض على الله عز وجل، يوم لا تنفع فيه الأنساب ولا الأموال ولا المناصب، بل النفع كله في طهارة هذا القلب؛ قال جل وعلا:
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89].
والقلب السليم هو:
السالم من الشرك والشك: الذي خلصت عبوديته لله وحده.
السالم من الآفات الأخلاقية: الذي لا يحمل غشاً لمسلم، ولا يحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، ولا يبيت وفيه مكر أو خديعة لغيره.
إن ديننا الحنيف لم يأتِ فقط بركوع وسجود وصيام ظاهر، بل جاء ليؤسس التقوى في القلوب؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى ههنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات. فإذا صلح الصدر، صلح سائر الجسد، وإذا فسد الصدر بالضغائن، فسدت العبادات والمعاملات.
المحور الثاني: نصوص الوحيين في فضل سلامة الصدر
لقد رفعت الشريعة الإسلامية من شأن صاحب الصدر السليم، وجعلت نقاء السريرية أفضل من كثرة النوافل مع فساد الباطن.
من القرآن الكريم: مدح الله جل وعلا الأنصار بسلامة صدورهم تجاه إخوانهم من المهاجرين، فقال: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. ثم جعل من صفات المؤمنين الصادقين بعدهم أن يدعوا الله قائلين: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
ثم جعل من صفات المؤمنين الصادقين بعدهم أن يدعوا الله قائلين: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
من السنة النبوية المطهرة: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ». قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» [رواه ابن ماجه].
«كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ». قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» [رواه ابن ماجه].
وتأملوا عظمة هذا الثواب في قصة الصحابي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم لثلاثة أيام متتالية: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة». فلما تتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لينظر عظيم عمله، لم يجده بكثير صلاة ولا صيام فوق الفريضة، فلما سأله عن سِرِّه، قال الرجل: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه». فقال عبد الله: «هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق».
المحور الثالث: مفاسد أمراض الصدر وآفاتها
أيها الأخوة المؤمنون، إن امتلاء الصدر بالغل والحسد والتباغض هو الداء العضال الذي يهدم المجتمعات ويفسد الدين والمروءة. لقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمراض القلبية تحذيراً شديداً؛ فقال:
«دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» [رواه الترمذي].
إن الصدر المشحون بالعداوة ينتج عنه مفاسد عظيمة، منها:
رد الأعمال الصالحة: فالشحناء تمنع مغفرة الذنوب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».
سوء الظن وتتبع العورات: من فسد صدره، صار يبحث عن زلات الناس، ويفسر كلامهم بالسوء.
العذاب النفسي الدنيوي: صاحب الصدر الضيق يعيش في نكد دائم؛ لأنه يتألم لكل نعمة تصيب غيره، ويفرح لكل مصيبة تقع لإخوانه، فهو في جهنم دنيوية قبل الآخرة.
بارِك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: الأسباب المعينة وثمرات سلامة الصدر
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: أيها المسلمون، إن سلامة الصدر ليست أمراً مستحيلاً، بل هي مجاهدة للنفس وتوفيق من الله عز وجل. وهناك أسباب عملية يستطيع العبد من خلالها أن يطهر صدره ويحقق هذه المنزلة العالية.
المحور الرابع: الأسباب المعينة على تحقيق سلامة الصدر
أولاً: الإخلاص لله تعالى: فمن أخلص عمله لله، لم يلتفت إلى مدح الناس أو ذمهم، ولم يحسد أحداً على دنيا فانية.
ثانياً: الدعاء والالتجاء إلى الله: فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. ادعُ الله دائماً أن يطهر قلبك، وقل كما علمنا القرآن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا}.
ثالثاً: حسن الظن وحمل الكلام على المحمل الحسن: اعتذر لإخوانك، والتمس لهم الأعذار؛ كفعل السلف الصالح حيث قالوا: “التمس لأخيك سبعين عذراً”.
رابعاً: التغافل والترفع عن الصغائر: ليس الغبي بسيد في قومه، لكنَّ سيد قومه المتغابي. لا تقف عند كل كلمة، ولا تدقق في كل نظرة أو تصرف.
خامساً: إفشاء السلام وتقديم الهدية: قال صلى الله عليه وسلم: «أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»، وقال: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا».
المحور الخامس: الأثر المجتمعي لسلامة الصدر
أيها العباد، تخيلوا مجتمعاً تسوده سلامة الصدر؛ مجتمعاً ينام فيه الجار وهو يدرك أن جاره يحب له الخير، ويدخل فيه الموظف عمله وهو يعلم أن زميله لا يكيد له، ويجتمع فيه الأقارب على المحبة والرحمة دون غيبة أو نميمة.
إن مجتمعاً كهذا هو المجتمع القوي المتماسك الذي يشبه البنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. إننا في أوقاتنا هذه أحوج ما نكون إلى لم الشمل، وتأليف القلوب، ونبذ الخلافات والفرقة، لنكون يداً واحدة لبناء أوطاننا وصناعة مستقبل أجيالنا على أسس من المحبة والوئام.
الدعاء والخاتمة
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة.
اللهم اجعل صدورنا سليمة، وقلوبنا نقية، ونفوسنا مطمئنة.
اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.
اللهم ارفع عن مجتمعنا الحسد والتباغض، والشحناء والتقاطع، واجعلنا إخواناً متحابين في جلالك، مجتمعين على طاعتك.
اللهم أصلح أحوالنا، ويسر أمورنا، واهدِ ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى.
اللهم اجعل بلادنا آمنة مطمئنة، سخاء رخاء، وسائر بلاد المسلمين.
عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
