كتبت شريهان عنتر
في تمام العاشرة صباح يوم الأربعاء، الموافق 15 سبتمبر 2021، كانت سيدة تقف أمام مكتب رئيس مباحث مركز شربين، التابع لمديرية أمن الدقهلية، تطلب مقابلته على وجه السرعة.. سمح لها المقدم محمود القصبي، الذي كان يشغل منصب رئيس المباحث في ذلك التوقيت، بالدخول، وبدا عليها الارتباك والقلق، وبلا مقدمات قالت: «جوزي ماجاش البيت من إمبارح، وتليفونه مغلق، ومفيش حد عارف يوصل له».. بهدوء، بدأ رئيس المباحث في مناقشتها: «اسمك إيه؟.. وإيه اللي حصل بالظبط؟».
أجابت: «أنا اسمي ولاء، عندي 31 سنة، ومتجوزة من 5 سنين من حداد اسمه محمد إبراهيم، شغال في منطقة برج العرب بالإسكندرية.. خرج امبارح الصبح وقال إنه رايح الشغل، ومن ساعتها مارجعش، ولا راح الشغل، وكلمنا أصحابه قالوا ماجاش، وتليفونه مقفول».
سألها رئيس المباحث عن محل سكنهما، فأجابت: «ساكنين في عزبة اسمها نقولا بكفر الحطبة، تبع مركز شربين».. دوَّن المقدم القصبي بيانات البلاغ ورقم هاتف الزوج، وأنهى حديثه معها قائلاً: «بسيطة إن شاء الله، هنعمل اللي علينا ويرجع بالسلامة».
غادرت الزوجة المكتب.. وأخطر رئيس المباحث العميد محمد الحسيني، رئيس مباحث المديرية آنذاك، بتفاصيل البلاغ، والذي وجَّه بتتبع هاتف الزوج المتغيب، وإجراء التحريات اللازمة، ومناقشة أسرته والجيران وأصدقائه في العمل.
مرت الأيام.. وناقشت القوات عدداً من المقربين، وجميعهم أكدوا حسن سير وسلوك الزوج، وعدم وجود خلافات له مع أحد، لكن ورغم مرور شهرين لم تصل التحريات إلى أى خيط، وبقى الزوج في عداد المختفين.
نوفمبر.. فدية 500 ألف جنيه
بعد شهرين كاملين من الغموض، وتحديداً يوم الأربعاء الموافق 10 نوفمبر 2021، حضرت ولاء مرة أخرى إلى مركز الشرطة، وطلبت مقابلة المقدم القصبي.
وبمجرد دخولها المكتب، أخبرته أنها تلقت اتصالاً هاتفياً من رقم مجهول، طالبها بدفع فدية قدرها 500 ألف جنيه مقابل إعادة زوجها.. دوَّن رئيس المباحث رقم الهاتف، وأرسله للجهات المختصة لتتبع مصدره وتحديد الموقع الجغرافي للمتصلين، وغادرت الزوجة المكتب، فيما استمرت التحريات بشكل مكثف.
وبعد نحو 3 أيام.. تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد مكان الاتصال، وعُرضت المعلومات على رئيس مباحث المديرية، الذي أمر باستئذان النيابة العامة ومداهمة الشقة.. انطلقت قوة من المباحث إلى المكان، وتمكنت من ضبط شخص تبين أنه يُدعى «جمعة»، 41 عاماً، حداد، وصديق الزوج المختفي.. لم تعثر القوات على الزوج، وبمناقشة المتهم أنكر صلته بالواقعة قرابة 3 ساعات، قبل أن ينهار ويعترف بكل شيء.
جثة مدفونة منذ شهرين
أثناء استجوابه.. كشف المتهم عن أنه دفن الزوج منذ شهرين في قطعة أرض زراعية بالقرية محل إقامة المجني عليه.. أخطر المقدم القصبي فوراً رئيس مباحث المديرية بفك لغز الاختفاء، وتم إخطار النيابة العامة، وانتقال محقق النيابة لاستخراج الجثمان.. واصطحبت القوات المتهم إلى مكان الدفن، على بُعد نحو 3 كيلومترات من منزل المجني عليه، وخلال عملية استخراج الجثمان، روى تفاصيل جريمته قائلاً: «اتفقنا أنا ومراته نخلص منه.. يوم الثلاثاء 14 سبتمبر، قبل اختفائه، إديتها أقراص مخدرة، وحطتها له في عصير قبل ما يخرج من البيت.. قابلته بعد كده، وأثناء المشي وقع مغمى عليه، حفرت له حفرة بعمق متر، ودفنته».
استخرجت القوات الجثمان في صورة هيكل عظمي متحلل، وتم عرضه على الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة.
وأصدرت النيابة قراراً بضبط وإحضار الزوجة، التي أنكرت الاتهامات المنسوبة إليها خلال التحقيقات، رغم تأكيد تحريات المباحث تورطها.
تم حبس المتهمَين 4 أيام على ذمة القضية، ثم جرى تجديد حبسهما، وأُحيلا إلى المحاكمة الجنائية بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
«لست بريئة من دم زوجك»
وبعد تداول القضية في عدة جلسات.. مثل خلالها المتهم وزوجة صديقه المجني عليه أمام محكمة جنايات المنصورة، واجهت الزوجة اتهام التحريض على قتل زوجها بالاتفاق مع المتهم الثاني.
وفي جلسة يوم الاثنين الموافق 5 يونيو 2023.. قضت بإحالة أوراق المتهم إلى فضيلة المفتي، تمهيداً لإعدامه، فيما قضت ببراءة الزوجة لعدم توافر أدلة مادية قاطعة تدينها بالتحريض.
لكن القاضي.. وهو يطوي ملف القضية، وجَّه للزوجة رسالة إنسانية وقاسية في آن واحد، قائلاً: «ليس معنى أن تحصلي على براءة.. أنكِ بريئة من دم زوجك».. خرجت الزوجة من قاعة المحكمة حرة بحكم القانون.. لكن كلمات القاضي بقيت حاضرة، تلاحقها خارج الجدران الباردة.. قد تنتهي القضايا بالأحكام، وتُغلق الملفات بالأختام.. لكن تبقى هناك أحكام لا تُكتب في الدفاتر، ولا تُنطق على المنصات..
أحكام تصدرها الإنسانية، وتبقى شاهدة إلى الأبد.
وقبل عدة أشهر.. أيدت محكمة النقض حكم الإعدام الصادر بشأن المتهم، ليصبح الحكم باتاً وواجب النفاذ.
