تعدّ التزكية والاعتدال من أعمق القيم التي قام عليها الدين الإسلامي؛ فالإسلام دين الوسطية والاتزان، يرفض الإسراف والتبذير بقدر ما يرفض الشحّ والبخل. والإسراف ليس مجرد هدرٍ للموارد المادية، بل هو سلوكٌ يغفل عن قيمة النعم، وينسي العبد مسؤولية الرعاية والشكر.
أولاً: النهي عن الإسراف والتبذير في القرآن الكريم
فرق العلماء بين الإسراف (وهو تجاوز الحد في إنفاق المباح) والتبذير (وهو إنفاق المال في غير حقه أو في المعاصي والباطل). وقد جاء القرآن الكريم صريحاً في النهي عنهما جميعاً:
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31] وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: 26-27]
ثانياً: أدب التواضع والقصد في وصايا لقمان الحكيم
حين أوصى لقمان الحكيم ابنه بواحد من أجمع كتب الموعظة والتربية، لم يقتصر على العقيدة والعبادة، بل شملت وصاياه السلوك اليومي والهيئة والمشي، داعياً إياه إلى الاعتدال والقصد والتواضع:
قال تعالى على لسان لقمان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]
فـ “القصد في المشي” يعني المشي باعتدال بين الإسراع المخل والبطء المتكلف، وهو رمزٌ كليٌّ للاعتدال في سائر أمور الحياة وشؤونها، فلا غلو ولا تقصير.
ثالثاً: الترشيد والنهي عن الإسراف في الماء
ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الحفاظ على النعم حتى في أسباب العبادة كـ “الوضوء”. فلم يكن يسمح بالتفريط في الموارد وإن كانت مجهزة أو متوفرة بكثرة.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بـ سعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَفُ يا سعدُ؟»، قال: أفي الوضوءِ سَرَفٌ؟ قال: «نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ على نَهَرٍ جَارٍ». (رواه أحمد وابن ماجه)
يقدم هذا الحديث قاعدة بيئية وسلوكية متقدمة: السرف ممنوع بذاته لأنه سلوك يورث الاستخفاف بالنعمة، حتى ولو كان المرء يستسقي من نهر جارف!
رابعاً: الدعوة للاعتدال في الطعام والشراب
لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم جانباً من حياة الإنسان إلا ووضع له ميزاناً حكيماً، ومن ذلك صحة الجسد والاعتدال في شهوة البطن:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». (رواه الترمذي)
الاعتدال في المأكل والمشرب يحمي البدن من الأمراض، ويحفظ النفس من التخثر والكسل، ويبقي الفطن يقظاً لرسالته.
خامساً: قصة عذق الرطب والمسؤولية عن النعيم
من المشاهد النبوية المؤثرة التي تجسد الشعور بعظمة النعم والمسؤولية عنها، ما حدث حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهما جياع، فاستضافهم رجل من الأنصار (أبو الهيثم بن التيهان).
-
إكرام الضيف: انطلق الأنصاري إلى نخلته، فجاءهم بعِذْقٍ (عنقود من النخل) فيه بلح ورطب وتمر، فوضعها بين أيديهم وقال: كُلُوا مِنْ هَذَا.
-
الذبح والشرب: ثم أخذ المديّة وذبح لهم شاة، وأكلوا من التمر ومن الشاة وشربوا من الماء البارد حتى شبعوا ورَوُوا.
-
التذكير بالنعيم: فلما شبعوا ورَوُوا، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر، وقال:
«والذي نفسي بيده، لَتُسْأَلُنَّ عن هذا النَّعِيمِ يوم القيامة؛ أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النَّعِيمُ». (أخرجه مسلم)
تتجلى في هذه القصة لفتة تربوية بالغة: إن عِذق التمر وشربة الماء البارد هما من “النعيم” الذي يستوجب شكر الله عز وجل باللسان والجوارح، واستحضار أن كل ما بين أيدينا من رزق هو أمانة ونعمة سنحاسب على كيفية التعامل معها.
خاتمة
إن القصد والاعتدال هما صمام الأمان لأي مجتمع. حين يحافظ المرء على قطرة الماء، ويقتصد في طعامه ولباسه، ويستشعر قيمة عِذق التمر وشربة الماء؛ تدم النعم وتزكو الأرواح. فالشكر يزيد النعم، والإسراف يمحق بركتها.
