اخبارمقالات

منزلة الشهيد في خطبة الجمعة يقدمها الشيخ جمال فراج

حددت وزارة الأوقاف موضوع مكانة الشهيد لخطبة الجمعة القادمة وتتناول الخطبة منزلةُ الشهداءِ عندَ ربِّهِم

وكذلك أنواعُ الشهداءِ في الإسلام و تتضمن الخطبة الحديث عن الاجتهاد في العشر الأواخر وتحريِ ليلةِ القدرِ

وفيما يلي نص الخطبة المقترحة..

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:

✍️ أولًا: منزلةُ الشهداءِ عندَ ربِّهِم
إنَّ لذةَ الشهادةِ في سبيلِ اللهِ لا يحصرُهَا قلمٌ، ولا يصفُهَا لسانٌ، ولا يحيطُ بهَا بيانٌ، وهي الصفقةُ الرابحةُ بينَ العبدِ وربِّهِ، قالَ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ }[التوبة:111].
فالمُشترِى هو اللهُ، والثمنُ الجنةُ، ولهذا كانَ الصحابةُ رضي اللهُ عنهم يتسابقونَ إلى الشهادةِ في سبيلِ اللهِ، لِمَا لهَا مِنْ هذهِ المكانةِ العظيمةِ، فهذا حنظلةُ تزوَّجَ حديثًا وقدْ جامعَ امرأتَهُ في الوقتِ الذي دعَا فيه الداعِي للجهادِ، فخرجَ وهو جنبٌ ليسقطَ شهيدًا، فيراهُ النبيُّ ﷺ بيدِ الملائكةِ تُغسلُهُ، ليُسَمَّى بغسيلِ الملائكةِ.
إنَّ ثمراتِ الشهادةِ وكراماتِ ومنازلَ الشهداءِ كثيرةٌ في الدنيا والآخرةِ، وقد جمعَ الرسولُ ﷺ بعضًا منها في حديثِهِ النبويِّ الشريفِ، فعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِب، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:” لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ”. (أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه).
ومِن هذهِ المنازلِ والكراماتِ أيضًا: الحياةُ بعدَ الاستشهادِ مباشرةٌ: قالَ تعالى: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} ( البقرة: 154)، وقالَ تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ( آل عمران : 169 ) .
ومنها: أنَّ الشهيدَ يأتِي يومَ القيامةِ اللونُ لونُ الدمِ والريحُ ريحُ المسكِ: فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنهُ قالَ: قالَ ﷺ: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ. ” (البخاري).
ومنها: أنَّ الشهيدَ في الفردوسِ الأعلَى: فهذه أمُّ حارثةَ أتتْ النبيَّ ﷺ فقالتْ:” يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى.”(البخاري)
ومنها : أنَّ الشهيدَ لا يشعرُ بألمِ القتلِ وسكراتِ الموتِ : وفي ذلك يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ: ” ما يجدُ الشهيدُ مِن مسِّ القتلِ إلا كمَا يجدُ أحدُكُم مِن مسِّ القرصةِ” . (الترمذي وابنا ماجة). هذه هي كراماتُ الشهداءِ ومنازلُهُم عندَ ربِّهِم .
لذلك يُسْتَحَبُّ للعبدِ أنْ يتمَنَّى الشهادةَ وأنْ يطلبَهَا مِن اللهِ في كلِّ وقتٍ وحينٍ، ولأنَّ فضلَ الشهادةِ عظيمٌ فقد تمنىَّ ﷺ الشهادةَ مُقسِمًا فقالَ: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ.” ( متفق عليه ). يقولُ ابنُ بطالٍ:” فيه فضلُ الشهادةِ على سائرِ أعمالِ البرِّ لأنَّهُ ﷺ تمناهَا دونَ غيرِهَا، وذلك لرفيعِ درجتِهَا، وكرامةِ أهلِهَا لأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عندَ ربِّهِم يرزقون، وذلك واللهُ أعلمُ لسماحةِ أنفسِهِم ببذلِ مُهجَتِهِم في مرضاةِ اللهِ وإعزازِ دينِهِ، ومحاربةِ مَن حادَّهُ وعادَاهُ، فجازَاهُم بأنْ عوَّضَهُم مِن فَقْدِ حياةِ الدنيا الفانيةِ الحياةَ الدائمةَ في الدارِ الباقيةِ، فكانتْ المجازاةُ مِن حُسنِ الطاعةِ.”أ.ه
ولذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ: ” مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ .” (البخاري).
فينبغِي لكَ – يا عبدَاللهِ- أنْ تسألَ اللهَ الشهادةَ، وتتمنَّي الشهادةَ بصدقٍ وبنيةٍ خالصةٍ، يقولُ ﷺ:” مَنْ سأَلَ الشَّهادَةَ بصِدقٍ، بلَّغَهُ اللهُ مَنازِلَ الشُّهَداءِ، وإنْ ماتَ على فِراشِهِ ” ( مسلم ).
يقولُ الإمامُ النوويُّ:” معناهُ: أنَّهُ إِذَا سألَ الشهادةَ بصدقٍ أُعْطِيَ مِن ثوابِ الشهداءِ، وإنْ كانَ على فراشِهِ. وفيهِ : استحبابُ سؤالِ الشهادةِ، واستحبابُ نيةِ الخيرِ. “. (شرح مسلم ).
لذلكَ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ في دعائِهِ:” اللهمَّ ارزقْنِي شهادَةً في سبيلِكَ، واجعلْ موتِي في بلَدِ رسولِكَ ﷺ.” ( البخاري )، واستجابَ اللهُ دعاءَهُ، ورزقَهُ اللهُ الشهادةَ، ودُفنَ بجوارِ المصطفَي ﷺ.

✍️ ثانيًا: أنواعُ الشهداءِ في الإسلام.
كثيرٌ مِن الناسِ يعتقدُ أنَّ الشهادةَ تقتصرُ على الموتِ في محاربةِ الكفارِ فقط، ولكنَّ شهداءَ أمةِ مُحمدٍ ﷺ كثيرون، ففي الحديثِ المتفقِ عليهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: “الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ “؛ وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ:” الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدَةٌ” (أبو داود؛ والنسائي؛ وابن ماجه).
والمبطونُ كما يقولُ النوويُّ: هو صاحبُ داءِ البطنِ. وقِيلَ: هو الذي يموتُ بداءِ بطنِهِ مطلقًا. وقولُهُ: المرأةُ تموتُ بجمعٍ شهيد. أي تموتُ وفي بطنِهَا ولدٌ؛ لأنَّها ماتتْ مع شيءٍ مجموعٌ فيها غيرُ منفصلٍ وهو الحملُ.
هذا وخصالُ الشهادةِ أكثرُ مِن هذه السبع، قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وقد اجتمعَ لنا مِن الطرقِ الجيدةِ أكثرُ مِن عشرينَ خصلةً.. وذكر منهم: اللديغُ، والشريقُ، والذي يفترسُهُ السبعُ، والخارُّ عن دابتِه، والمائدُ في البحرِ الذي يصيبُهُ القيءُ، ومَن تردَّى مٍن رؤوسِ الجبالِ. قال النوويُّ : وإنّما كانت هذه الموتاتُ شهادةً يتفضلُ اللهُ تعالى بسببِ شدتِهَا وكثرةِ ألمِهَا، أ.هـ . قال ابنُ التينِ: هذه كلُّهَا ميتاتٌ فيها شدةُ تفضلِ اللهِ على أمةِ مُحمدٍ ﷺ بأنْ جعلَهَا تمحيصًا لذنوبِهِم وزيادةً في أجورِهِم يبلغُهُم بها مراتبَ الشهداءِ. أ.هـ
ويدخلُ في ذلك الدفاعُ عن الأهلِ والمالِ والوطنِ، فعن سعيدِ بنِ زيدٍ قال ﷺ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ”( الترمذي وحسنه)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ». (مسلم). كما يدخلُ في ذلك أيضًا الجنودُ الأبطالُ المرابطونَ الذين يسهرونَ ليلَهُم في حراسةِ هذا الوطنِ والدفاعِ عنه وحمايةِ منشآتِهِ، وقد ذكرَهُم الرَسُولُ ﷺ بقولِهِ:” عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ؛ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” ( الترمذي والطبراني).
ويتحصلُ مِمّا ذكرَ مِن هذه الأحاديثِ أنَّ الشهداءَ ثلاثةُ أنواعٍ: شهيدُ الدنيا فقط؛ وشهيدُ الآخرةِ فقط، وشهيدُ الدنيا والآخرةِ معًا. فشهيدُ الدنيا والآخرةِ معًا: هو الذي يُقتلُ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ مقبلًا غيرَ مدبرٍ لا لغرضٍ مِن أغراضِ الدنيا ، ففي الحديثِ عن أبي موسى الأشعرِي رضي اللهُ عنه قال: إنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال مستفهمًا: الرجلُ يقاتلُ للمغنمِ، والرجلُ يقاتلُ للذكرِ، والرجلُ يقاتلُ ليرَى مكانَهُ فمًن في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: مَن قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ اللهِ.(البخاري). أمَّا شهيدُ الدنيا فقط: فهو مَن قُتلِ في الجهادِ لكنْ قتالُهُ كان رياءً أو لغرضٍ مِن أغراضِ الدنيا.. أي لم يكنْ في سبيلِ اللهِ، فهو في الدنيا يعاملُ معاملةَ الشهيدِ فلا يُغسلُ ولا يُصلَّى عليهِ، وينتظرُهُ في الآخرةِ ما يستحقُّ مِن عقوبةِ جزاءِ سوءِ قصدِهِ وخبثِ طويتِهِ.
أمَّا شهيدُ الآخرةِ فقط: فهو مَن يُعطَى يومَ القيامةِ أجرُ الشهيدِ ولكنَّهُ لا يعاملُ معاملتَهُ في الدنيا، بل يُغسّلُ ويُصلّى عليهٍ.. ومنهم السبعةُ المذكورونَ في الحديثِ آنفًا.
ومِمّا تقدمَ نعلمُ أنّ المسلمَ الذي يموتُ بإحدَى هذه الميتاتِ التي فيها شدةٌ وألمٌ نرجُو أنْ يكونَ مِن الشهداءِ.

✍️ ثالثًا: الاجتهاد في العشر الأواخر وتحريِ ليلةِ القدرِ
نحن نعيش في هذه الأيام المباركة العشر الأواخر من رمضان، وكان الرسول ﷺ يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها.
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ”(متفق عليه). قال الإمامُ ابنُ حجرٍ:” أيْ سهرَهُ فأحياهُ بالطاعةِ وأحيا نفسَهُ بسهرِهِ فيهِ؛ لأنَّ النومَ أخو الموتِ، وأضافَهُ إلى الليلِ اتساعًا؛ لأنَّ القائمَ إذا حيي باليقظةِ أحيا ليلَهُ بحياتِهِ.”(فتح الباري)، وشدُّ المئزرِ كنايةٌ عن بلوغِ الغايةِ في اجتهادهِ عليه السلامُ في هذه العشرِ. وعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَت: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِا”( مسلم) يقولُ الإمامُ النوويُّ:” يستحبُّ أنْ يزادَ مِن الطاعاتِ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، واستحبابُ إحياءِ لياليهِ بالعباداتِ .”
ولقد خصَّ اللهُ سبحانَهُ وتعالى هذه الأمةَ في هذه العشرِ بليلةٍ هي خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِهِ عن مجاهدٍ: ” أنَّ النبيَّ ﷺ ذكرَ رجلًا مِن بني إسرائيلَ لَبسَ السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ، قال: فَعَجبَ المسلمون مِن ذلك، قال: فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؛ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ( القدر : 1-3) التي لبسَ ذلك الرجلُ السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ ، فليلةٌ واحدةٌ خيرٌ مِن عبادةِ 83 سنة مِن الأممِ الماضيةِ، فما بالُكَ لو صادفتْكَ ليلةُ القدرِ عشرين سنةً مثلًا.
وعَنْ الِإمَامِ مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ:” إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” ( موطأ مالك).
وقد كان مِن هديهِ ﷺ في هذه العشرِ الأخيرةِ مِن رمضانَ أنَّهُ يتحرى ليلةَ القدرِ، وقالً في ذلك:” مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.”(البخاري)؛ فيا سعادةَ مَن نالَ بركتَهَا وحظيَ بخيرِهَا، ويستحبُّ الإكثارُ مِن الدعاءِ فيها، فعن عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ:” قُولِى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى”.(الترمذي وابن ماجة).
إنَّ العبادةَ والعملَ الصالحَ فيها مِن الصيامِ والقيامِ والدعاءِ وقراءةِ القرآنِ خيرٌ مِن العملِ في ألفِ شهرٍ ليسَ فيها ليلةُ القدرِ، قالَ تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر: 3). قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: “عملٌ في ليلةِ القدرِ خيرٌ مِن عملِ ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدرِ” .
فالساعةُ الواحدةُ فيها تساوي ثمانِ سنواتٍ مِن عمرِ الزمانِ، والدقيقةُ تساويِ خمسينَ يومًا !!
إنَّ ليلةَ القدرِ دعوةٌ لكلِّ المتخاصمينَ والمتشاحنينَ والمتباغضينَ أنْ يصطلحُوا حتى تتنزلَ البركاتُ والرحماتُ؛ لأنَّ البغضاءَ والشحناءَ سببٌ لرفعِ البركاتِ، وقد وقفتُ مع نفسِي وقفةً وتأثرتُ كثيرًا حينمَا قرأتُ حديثًا عن ليلةِ القدرِ في صحيحِ البخاري. فعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعتْ أعظمُ ليلةٍ بسببِ شجارٍ وخصامٍ بين رجلين! فما بالُكّم بواقعٍ الأمةِ الآن؟!
ألا فلنسارعْ إلى المصافحةِ والمصالحةِ والعفو والسماحةِ ونغتنمْ قيامَ هذه الليلةِ حتى نفوزَ بمغفرةِ اللهِ ورضوانهِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:” مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” ( البخاري).
إما إذا انغمسنَا في الدنيا والتقاطعِ والتشاحنِ فقد حُرمنَا الخيرَ كلَّ الخيرِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا , فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ ”( سنن ابن ماجة ).
وليكن لك القدوةُ في حبيبِكَ ﷺ في عفوهِ وصفحهِ وتسامحهِ مِن أجلِ اللهِ، وإقامةِ مجتمعهِ على متانةِ الروابطِ الاجتماعيةِ، فيقولُ عليه السلامُ:” اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ؛ شَتَمْتُهُ؛ لَعَنْتُهُ؛ جَلَدْتُهُ؛ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”(مسلم).
وانظرْ إلى عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ فقد جاءَهُ رجلٌ فقالِ: “إنَّ لي جارًا يؤذينِي ويشتمنِي ويضيقُ عليَّ فقالَ ابنُ مسعودٍ: اذهبْ فإنْ هو عصى اللهَ فيكَ فأطعْ اللهَ فيه” (إحياء علوم الدين).
ولا يفوتنا في هذا المقام التذكير بزكاة الفطر، فقد حددتْ دارُ الإفتاءِ المصريةِ قيمةَ زكاةِ الفطرِ هذا العام بـخمسة وثلاثين جنيهًا كحدِّ أدنَى، ومَن زادَ فهو خيرٌ، وإذا كان اللهُ قد وسّعَ عليكَ فعليكَ أنْ تخرجَ مِن أجودِ الأشياءِ وأنفسِهَا، ولا تنظرْ إلى الدونِ، « فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحبُّ معالِي الأمورِ، ويكرَهُ سفسافَهَا » ( الحاكم والطبراني).
ولماذا ترضَى بالحدِّ الأدنَى في زكاةِ الفطرِ مع سعتِكَ وغناكَ، ومع ذلك تطلبُ الفردوسَ الأعلَى مِن الجنةِ ؟!!
نسألُ اللهَ أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يرزقَنا ليلةَ القدرِ،
وأن يجعلَنا من عتقاءِ شهرِ رمضانَ، وأن يحفظَ مصرَنا من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=12071

موضوعات ذات صلة

ضبط ربة منزل لاتهامها بقتل زوجها خلال مشاجرة بسبب خلافات أسرية برشيد

شريهان عنتر

مصر و7 دول ترحب بدعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام

شريهان عنتر

بين يدى خطبة عيد الفطر المبارك مع الشيخ جمال فراج

سيد ابوسيف

النائبة اسماء نشأت تقدم مقترح لوزير التموين لحل أزمة الانابيب في سوهاج

سيد ابوسيف

المؤبد لسمسار أعضاء ارتكب 12 واقعة بينها بيع كلية المتهم بقضية الدارك ويب

شريهان عنتر

وزير الخارجية يستقبل نظيفه العماني

سيد ابوسيف