مقالات

الشيخ جمال فراج يكتب ..ادخلوا مصر آمنين وخطورة سب الدين”.. في خطبة الجمعة

الحمد لله رب العالمين، ناصر المستضعفين، ومؤمن الخائفين، وجاعل مصر كنانة الله في أرضه، من أرادها بسوء قصمه الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعز من أطاعه ويخذل من عصاه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، طاهر اللسان، نقي الجنان، المبعوث رحمة للأنام، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

​أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإنها طوق النجاة وحصن الأمان في الدنيا والآخرة.

​عباد الله، إن خطبتنا اليوم تلتقي في محورين جليلين؛ الأول: يتعلق بحق الوطن ومكانته وأمنه مستلهمين ذلك من قول الحق سبحانه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمنينَ﴾، والثاني: يتعلق بحرمة الدين وصيانة اللسان عن الموبقات، والتحذير من ظاهرة غريبة على مجتمعاتنا وهي “خطورة سب الدين”.

​العنصر الأول: “ادخلوا مصر آمنين” (مكانة مصر الدينية والتاريخية وواجب الحفاظ على أمنها)

​إن الأمن هو النعمة الأم، والركيزة الأساسية التي لا تستقيم الحياة بدونه، فلا تنمية بلا أمن، ولا عبادة بلا طمأنينة. ومن عظيم فضل الله تعالى على وطننا الغالي “مصر” أن ذكرها في كتابه الكريم في مواضع عدة بالتصريح والتلميح، وجعل الأمان صفة لتقديمها واستقبال الوافدين إليها.

​1. الأمن كمزية قرآنية لمصر

​حينما جاء نبي الله يوسف عليه السلام بأبويه وإخوته إلى مصر، لم يجد وصفاً يطمئنهم به ويثبت فؤادهم بعد سنوات الجدب والشتات إلا أن يقول لهم:

​﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99].

 

​إن هذا الإعلان الإلهي لم يكن مجرد حادثة تاريخية انقضت، بل هو صك أمان ممتد، وجعل مصر ملاذاً للخائفين، وملجأً للمستجيرين. ففي مصر عاش الأنبياء؛ ففيها تربى موسى عليه السلام، وإليها جاء الخليل إبراهيم، وفي ربوعها احتمت العائلة المقدسة (السيد المسيح وأمه البتول مريم عليها السلام)، ومنها تزوج النبي ﷺ السيدة مارية القبطية.

​2. الوصية النبوية بأهل مصر

​لم يغفل النبي ﷺ عن التنويه بمكانة مصر وأهلها، بل أوصى بها رعايةً للرحم والذمة، فقال صلوات ربي وسلامه عليه:

​(إنَّكم ستفتحونَ مصرَ، وهيَ أرضٌ يُسمَّى فيها القيراطُ، فاستوصُوا بأهلِها خيرًا، فإنَّ لهم ذمَّةً ورَحِمًا) [رواه مسلم].

 

​وهذا يؤكد أن مصر أرض ذات طبيعة خاصة، تجمع بين قداسة المكان وسماحة وسكينة أهلها، وأن الحفاظ على هذا الوطن آمنًا مستقرًا هو فريضة شرعية وضرورة واقعية تقع على عاتق كل مواطن يعيش تحت سمائها ويشرب من نيلها.

​3. مسؤليتنا في ترسيخ الأمن والآمان

​إن “الجمهورية الجديدة” لا تبنى إلا بسواعد أبنائها الواعين، والوعي يقتضي الدعم الكامل لمؤسسات الدولة، والوقوف صفاً واحداً خلف رجال الجيش والشرطة البواسل الذين يسهرون لتظل مصر دائماً واحة للأمن والأمان، وبذل الجهد في البناء والتنمية والإنتاج، ونبذ كل أشكال التطرف والشائعات التي تستهدف النيل من استقرار الوطن.

​العنصر الثاني: خطورة “سب الدين” (حرمة الدين وخطورة التهاون باللفظ)

​إذا كان الأمن في الأوطان يمثل حماية الأبدان والأعراض والأموال، فإن الأمن الإيماني يمثل حماية القلوب والألسنة والعقول. ومن أشد التحديات الأخلاقية والسلوكية التي يواجهها المجتمع في الآونة الأخيرة، تهاون البعض في إطلاق الألسنة بجرائم لفظية منكرة، وعلى رأسها “سب الدين” أو استنقاص المقدسات وقت الغضب أو المزاح.

​1. حرمة اللسان وعظم الكلمة في الإسلام

​لقد عظم الإسلام شأن الكلمة، فبالكلمة يدخل الإنسان في الإسلام (شهادة التوحيد)، وبالكلمة قد يخرج منه (والعياذ بالله). قال الله تعالى:

​﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

 

​وعندما سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه النبي ﷺ: “وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟”، أجابه النبي ﷺ متعجباً ومحذراً:

​(ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) [رواه الترمذي].

 

​2. الحكم الشرعي والجرم الأخلاقي لسب الدين

​إن سب الدين ليس زلة لسان عابرة، بل هو من أعظم الكبائر وباب من أبواب الموبقات اللفظية.

  • في الشرع: يتأرجح فاعله -بحسب نية وقصد اللفظ- بين الكفر المخرج من الملة (إذا كان قاصداً الاستخفاف والاستهزاء بالدين والعياذ بالله)، وبين الفسوق الشديد والإثم العظيم الذي يستوجب التوبة الفورية والاستغفار الطويل والندم الشديد إذا قيل في ثورة غضب دون وعي بمآل الكلمة. يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
  • في السلوك البشري: سب الدين يعكس دناءة في الخلق، وضيقاً في الصدر، وغياباً تاماً لتعظيم شعائر الله في القلب، والله تعالى يقول: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

​3. أثر هذه الظاهرة على المجتمع وعلاجها

​إن مجتمعاً يشيع فيه سب الدين وتنتشر فيه الألفاظ النابية هو مجتمع تنزع منه البركة، ويقل فيه الحياء، وتتحلل روابط الاحترام بين أفراده. ولعلاج هذه الظاهرة يجب اتباع الآتي:

  1. تربية الأبناء: على تعظيم المقدسات ولين الكلام.
  2. التحكم في الغضب: فالغضب ليس مبرراً لارتكاب المعاصي اللفظية، وقد قال ﷺ: (ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
  3. التناصح بالمعروف: أن ينكر كل منا على من يسمعه يسب الدين برفق وحزم، مذكرًا إياه بعاقبة كلمته.

​الخاتمة:

​عباد الله، إن ربط أمن الوطن بطهارة الألسنة والقلوب هو جوهر الدين؛ فالوطن الآمن المستقر يحتاج إلى مواطن صالح، مستقيم السلوك، نقي اللسان، يعمر الأرض بيده، ويذكر الله بلسانه. فاحفظوا لوطنكم أمنه، واحفظوا لدينكم حرمته، وطهروا بيوتكم وأسواقكم وشوارعكم من بذاءات الألسن تنزل عليكم بركات من السماء والأرض.

​اللهم اجعل مصر كنانتك في أرضك، واجعلها بلدًا آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم طهر ألسنتنا من الفحش والبذاءة وسب الدين، واملأ قلوبنا بتعظيم شعائرك ومقدساتك، واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=13501

موضوعات ذات صلة

شريهان عنتر

مين السبب؟؟

شريهان عنتر

شريهان عنتر

شريهان عنتر تكتب..سمك ..لبن..تمر هندي

سيد ابوسيف

بين يدي خطبة الجمعة..سلامة الصدر و اثره على الفرد و المجتمع..يقدمها الشيخ جمال فراج

سيد ابوسيف

شريهان عنتر