الحمد لله الذاكرين الشاكرين، أمر عباده بذكره فقال:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل ذكره حياةً للقلوب وطمأنينةً للنفوس، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، كان لسانه رطبًا بذكر الله في كل أحواله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإنها خير زاد ليوم المعاد.
أيها المسلمون،
إن ذكر الله ليس كلمات تُقال باللسان فقط، بل حياةٌ للروح، ونورٌ للقلب، وراحةٌ للنفس، وسكينةٌ للصدر.
وما ابتعد الناس عن ربهم إلا ضاقت صدورهم، وما عمرت القلوب إلا بذكر علام الغيوب.
يقول الله سبحانه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
ويقول جل وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
فضل الذكر في القرآن والسنة
لقد رفع الله شأن الذاكرين فقال:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقال النبي ﷺ:
«سبق المفردون».
قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟
قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».
وقال ﷺ:
«مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».
بل جعل النبي ﷺ من أعظم أهل الجنة منزلة من كان كثير الذكر، فقال رجل:
يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فدلني على شيء أتشبث به، فقال ﷺ:
«لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله».
أنواع الذكر
عباد الله، للذكر أنواع كثيرة:
ذكر باللسان:
كالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ.
وذكر بالقلب:
بالتفكر في نعم الله وعظمته وخشيته ومراقبته.
وذكر بالجوارح:
فكل طاعة لله هي نوع من الذكر؛ فالصلاة ذكر، وقراءة القرآن ذكر، وبر الوالدين ذكر، والسعي في الخير ذكر.
ومن أعظم الأذكار:
سبحان الله
الحمد لله
لا إله إلا الله
الله أكبر
لا حول ولا قوة إلا بالله
أستغفر الله العظيم
شاب ذكر الله خاليًا
ومن أعظم صور الذكر ما جاء في الحديث الشريف عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم:
«ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
شابٌ جلس وحده، لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، فتذكر ذنوبه، وتذكر وقوفه بين يدي الله، وتذكر نعم الله عليه، فامتلأ قلبه خشيةً ومحبةً لله، فبكى من خشيته.
هذه دمعة غالية عند الله، لأن كثيرًا من الناس يبكون أمام الناس، لكن الصادق من بكى من خشية الله وهو وحده.
قصص ومواقف
أيها الأحبة،
كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كثير الذكر والبكاء من خشية الله، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رجلًا أسيفًا إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه”.
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول:
“اطلبوا حلاوة الذكر في ثلاثة: في الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، فإن وجدتموها فابشروا، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق”.
ويُروى أن رجلًا شكا إلى أحد الصالحين قسوة قلبه، فقال له:
“أكثر من ذكر الله، فإن الحديد إذا دخل النار لان، والقلب إذا دخل في ذكر الله رقّ”.
عباد الله،
الذكر لا يحتاج مالًا ولا جهدًا، لكنه يحتاج قلبًا حاضرًا ولسانًا ذاكرًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
عباد الله،
إن من أعظم خسائر الإنسان أن تمر عليه الأيام وقلبه غافل عن الله.
فالغافل يعيش قلقًا ولو ملك الدنيا، والذاكر يعيش مطمئنًا ولو كان قليل المال.
يقول النبي ﷺ:
«ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم؟»
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: «ذكر الله».
فعودوا أنفسكم على الذكر:
بعد الصلوات
في الصباح والمساء
عند النوم والاستيقاظ
في الطريق والعمل والبيت
وربُّ كلمةٍ يقولها العبد ترفعه عند الله درجات عظيمة..
موقف من ذكرالانبياء و الصحابة
ومن أجمل ما يُضاف في الخطبة: ذكر مواقف الأنبياء والصحابة مع ذكر الله، لتكون قدوةً للناس في الثبات والطاعة.
مواقف من ذكر الأنبياء عليهم السلام
سيدنا يونس عليه السلام
لما وقع في بطن الحوت، وفي الظلمات الثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، لم يجد باب نجاة إلا ذكر الله، فقال:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
فكانت كلمة ذكرٍ صادقة سببًا في النجاة، فقال الله:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾.
وفي هذا درسٌ عظيم: أن الذكر يفتح أبواب الفرج وقت الشدة.
سيدنا موسى عليه السلام
حينما كان أمام البحر وفرعون خلفه، خاف الناس وقالوا:
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾،
لكن قلب موسى كان متعلقًا بالله فقال:
﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فكان يقينه وذكره لله سببًا في النجاة وفتح البحر.
سيدنا داود عليه السلام
كان كثير التسبيح، حتى إن الجبال والطير كانت تسبح معه، قال تعالى:
﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾.
وكان إذا ذكر الله تأثر قلبه وخشع.
مواقف من الصحابة رضوان الله عليهم
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
كان كثير الذكر والبكاء من خشية الله، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:
“كان إذا قرأ القرآن غلبه البكاء”.
وكان لسانه لا يفتر عن ذكر الله حتى في أصعب المواقف.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
كان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة أو النار يبكي حتى يُسمع نشيجه، وكان يقول:
“حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا”.
وكان يرى أن صلاح القلب يكون بكثرة ذكر الله.
عثمان بن عفان رضي الله عنه
كان من أكثر الناس تلاوةً للقرآن وذكرًا لله، حتى قيل إنه ربما ختم القرآن في ليلة واحدة، وكان يقول:
“لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله”.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
كان إذا حضرت الصلاة يتغير وجهه ويقول:
“جاء وقت الأمانة”.
وكان من أهل الذكر والخشوع، لا يغفل قلبه عن الله.
أبو هريرة رضي الله عنه
كان يُقسِّم الليل بينه وبين زوجته وخادمه، يقوم هذا جزءًا من الليل يذكر الله ويصلي، ثم يوقظ الآخر، حتى لا ينقطع الذكر في البيت طوال الليل.
عباد الله،
هؤلاء هم الأنبياء والصالحون، لم تكن قوتهم في المال ولا الجاه، وإنما كانت في صلة قلوبهم بالله وكثرة ذكرهم له.
فاجعلوا بيوتكم عامرةً بالذكر، وألسنتكم رطبةً بالتسبيح، فإن الدنيا تزول، ويبقى ذكر الله نورًا لصاحبه في الدنيا والآخرة.
ذكر الله وتفريج الكرب و سد الدين
ومن أعظم ثمرات ذكر الله عباد الله، أنه سببٌ في تفريج الكروب، وقضاء الحاجات، وسداد الديون، وراحة القلوب.
فكم من مهمومٍ فرّج الله همَّه بسبب تسبيحة، وكم من مكروبٍ فتح الله له أبواب الفرج بسبب استغفارٍ صادق، وكم من فقيرٍ أغناه الله لأنه تعلق بالله لا بالناس.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وقال سبحانه:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.
فالاستغفار ليس كلمات تُقال فقط، بل باب رزق، وباب فرج، وباب رحمة.
ذكر الله وتفريج الكرب
لما اشتد الكرب بسيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت، لم يكن معه جيش ولا مال، وإنما كان معه الذكر:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
فقال النبي ﷺ:
«ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله كربه».
وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر قال:
«يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».
وفي الحديث:
«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب».
ذكر الله وسداد الدَّين
أيها الأحبة،
كم من الناس أثقلتهم الديون، وضاقت بهم الأحوال، والفرج يبدأ بالرجوع إلى الله.
جاء رجل إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يشكو الدَّين، فقال له:
ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبلٍ دَينًا أداه الله عنك؟
قل:
«اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمَّن سواك».
وكان النبي ﷺ يدعو ويقول:
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال».
فكان يستعيذ من ثقل الديون لما فيها من همٍّ وكرب.
قصة مؤثرة
ويُروى أن رجلًا كان فقيرًا كثير الدَّين، فشكا حاله إلى أحد الصالحين، فقال له:
“أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ”.
فلازم ذلك مدة، ففتح الله له باب رزقٍ لم يكن يتوقعه، حتى قضى دينه.
ولذلك كان بعض السلف يقول:
“عجبت لمن ابتُلي بالهم كيف يغفل عن الذكر”.
عباد الله،
قد تتأخر الأسباب الأرضية، لكن باب السماء لا يُغلق.
ومن تعلق بالله كفاه، ومن أكثر من ذكر الله شرح الله صدره ويسر أمره وبارك له في رزقه.
فأكثروا من:
الاستغفار
الصلاة على النبي ﷺ
قول: لا حول ولا قوة إلا بالله
قول: حسبي الله ونعم الوكيل
وذكر: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
فهي مفاتيح فرج ورحمة وسعة رزق بإذن الله.
للهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات،
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،
اللهم طهر قلوبنا، واشرح صدورنا، واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا.
اللهم أصلح شباب المسلمين، واحفظ أبناءنا وبناتنا، واجعلهم من أهل الطاعة والذكر.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة
