تُجسّد النادرةُ الأدبيةُ التاليةُ جانبًا من روح الدعابة والسخرية الذكية التي عُرف بها الشاعر العباسي بشار بن برد؛ إذ يستغل حدثًا عاديًا كوفاة حِماره ليصوغ منه أسلوبًا طريفًا يمزج فيه بين الهجاء الاجتماعي والغزل الخيالي التهكمي، مُظهرًا قدرته الفائقة على توليد الفكاهة من قلب لغة الشعر واللغة.
مات لبشار بن برد حمارٌ، فقال :
كان حِمَارِي أعقل من القضاة، ليس له هفوة، ولا زلة، فاعتلَّ على حين غفلة، فمات، فرأيته في النوم فقلت له: أَلمْ أُنقِّ لك الشعيرَ، و أُبرّد لك الماءَ ؟ فما سبب موتك؟ . فقال: أتذكر إذ وقفتَ بي على الصيدلاني – يعني العطار-؟. قلت: نعم. قال: مَرَّتْ إذْ ذاك أَتَانٌ ( أنثى الحمار) ، فافْتَتَنْتُ بها، ومتُّ مِنْ عِشْقِهَا . قال بشّار : فقلتُ : هل قلتَ في ذلك شيئاً؟ قال: نعم. وأنشد:
هَامَ قَلْبِي بِأَتَانِ ….. عِنْدَ بَابِ الصَّيْدَلاَنِي
تَيَّمتْنِي يَوْمَ رحْنَا …. بِثَنايَاهَا الْحِسَانِ
ذَاتُ غُنْجٍ ودَلاَلٍ ….. سلَّ جِسْمِي وبَرَانِي
ولَهَا خَدٌٌّ أَسِيلٌ …… مِثْلُ خَدَّ الشَّيْفَرَانِ
فِبهِا متُّ ولَوْ عِشْـ….ـتُ إذَا طَالَ هَوَانِي
فقيل لبشار: ما الشيفران؟ . قال: هذا من غريب لغة الحمير، فإذا لقيتم حماراً فاسألوه.
تتجلّى في ردّ بشار الأخير حول مفردة “الشيفران” ذروةُ البديهة والتهرّب الساخر، حيث تحوّلت المأساة الصغرى إلى فاكهة مجالس يُلجم بها سائفيه. وتظل هذه القصة شاهدًا على ثراء أدب النوادر العربي، وكيف استطاع الشعراء اتخاذ الفكاهة قناعًا لنقد الواقع والتعريض بالمتفاصحين.
