الحمد لله الذي رضي لعباده الإسلام دينًا، وجعله دينًا قيمًا، وهدى به إلى صراط مستقيم.
الحمد لله على نعمة الإسلام… الحمد لله على نعمة الإيمان… الحمد لله على نعمة القرآن… الحمد لله على نعمة خير الأنام، ومسك الختام سيدنا محمد عليه الصلاة وأزكى السلام.
وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيِهًا *** وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي *** وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن سيدنا محمدًا (ﷺ) عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأشرفان الأنوران الأعطران الأزهران المزهران المثمران، على من جمعت كل الكمالات فيه.. وعلى آله وصحبه وتابعيه…
يَا رَبِّ بِالْمُصْطَفَى بَلِّغْ مَقَاصِدَنَا *** وَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى يَا وَاسِعَ الْكَرَمِ
مَوْلايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا *** عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ
اللهم رضه عنا، وارض عنا برضاه عنا.. ووضئنا يا ربنا بأخلاقه العظيمة وحقق أمانينا بزيارته، وافتح لنا أبواب رؤيته ونيل شفاعته….
اللَّهُمَّ انصُرْنا، واسترنا واجبرنا، ولا تُخزنا، ولا تُذِلَّنا، ولا تُضِلَّنا، ولا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا… اللهم آمين يا رب العالمين….
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النساء: 131)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 70-71). وقال الكريم جل وعلا: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 223).
أما بعد…
سيدي يا رسول الله يا نور الدنيا ونور القلوب ونور الدروب.
اسمح لي يا سيدي يا رسول الله أن أقتطف باقة من أبيات بردة الإمام البوصيري الغراء:
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا *** عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ
ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ أَحْيَا الظَّلامَ إِلَى *** أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ
وَشَدَّ مِنْ سَغَبٍ أَحْشَاءَهُ وَطَوَى *** تَحْتَ الحِجَارَةِ كَشْحًا مُتْرَفَ الْأَدَمِ
وَرَاوَدَتْهُ الْجِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ *** عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمِ
وَأَكَدَتْ زُهْدَهُ فِيهَا ضَرُورَتُهُ *** إِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَعْدُو عَلَى العِصَمِ
وَكَيْفَ تَدْعُو إِلَى الدُّنْيَا ضَرُورَةُ مَنْ *** لَوْلَاهُ لَمْ تُخْرَجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ *** ـنِ وَالفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
نَبِيُّنَا الْآمِرُ النَّاهِي فَلَا أَحَدٌ *** أَبَرَّ فِي قَوْلِ لَا مِنْهُ وَلَا نَعَمِ
هُوَ الحَبيبُ الذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ *** لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الْأَهْوَالِ مُقْتَحَمِ
دَعَا إِلَى اللَّهِ فَالْمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ *** مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غَيْرِ مُنْفَصِمٍ
فَاقَ النَبِيِّينَ فِي خَلْقِ وَفِي خُلُقٍ *** وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ *** غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيمِ
وَوَاقِفُونَ لَدَيْهِ عِنْدَ حَدِهِم *** مِنْ نُقْطَةِ العِلْمِ أَوْ مِنْ شَكْلَةِ الحِكَمِ
فَهْوَ الذِي ثُمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ *** ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبِيبًا بَارِئُ النَّسَمِ
مُنَزَّهُ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ *** فَجَوْهَرُ الْحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمِ
دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِم *** وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ *** وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ *** حَدٌ فَيُعْرِبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا *** أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ
لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا الْعُقُولُ بِهِ *** حِرْضًا عَلَيْنَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ فَهِم
أَعْيَا الوَرَى فَهُمُ مَعْنَاهُ فَلَيْسَ يُرَى *** فِي القُرْبِ وَالْبُعْدِ فِيهِ غَيْرُ مُنْفَحِمِ
كَالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلعَيْنَيْنِ مِنْ بُعْدِ *** صَغِيرَةً وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أَمَمِ
وَكَيْفَ يُدْرِكُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَتَهُ *** قَوْمٌ نِيَامٌ تَسَلَّوْا عَنْهُ بِالْخُلُمِ
فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ *** وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِم
وَكُلُّ آي أَتَى الرُّسُلُ الْكِرَامُ بِمَا *** فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمِ
فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا *** يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ
أَكْرِمْ بِخَلْقِ نَبِي زَانَهُ خُلُقٌ *** بِالْحُسْنِ مُشْتَمِل بِالبِشْرِ مُتَّسِمِ
كَالزَّهْرِ فِي تَرَفٍ وَالبَدْرِ فِي شَرَفِ *** وَالْبَحْرِ فِي كَرَمِ وَالدَّهْرِ فِي هِمَمِ
كَأَنَّه وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ جَلَالَتِهِ *** فِي عَسْكَرٍ حِينَ تَلْقَاهُ وَفِي حَشَمِ
كَأَنَّمَا اللُّؤْلُو المَكْنُونُ فِي صَدَفٍ *** مِنْ مَعْدِي مَنْطِقٍ مِنْهُ وَمُبْتَسِمِ
لا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ *** طُوبِيَ لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ
مَوْلايَ صَلِّ وَسَلَّمْ دَائِمًا أَبَدًا *** عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ
مولد الهادي البشير (ﷺ)
لماذا كانت البشرية في انتظار سيدنا محمد ؟
من كمال فضل الله تعالى على البشر أنه لم يخلقهم ويرزقهم ثم يتركهم سُدى، يتخبطون في الفيافي بلا هدى؛ بل بين لهم – وهو الأعلم بمن خلق – الطريق الذي يكفل لهم الصلاح والفلاح، ويصونهم من الهلاك والانغماس في المعاصي، فأرسل إليهم الرسل بالرسالات المتتابعة؛ يبشرون وينذرون، ويضيئون للناس سبيل الله المستقيم.
وكان تمام الرسالات السماوية وكمالها في رسالة سيدنا محمد (ﷺ) الذي أرسله الله (تعالى) رحمة للعالمين في وقت بلغت فيه البشرية شأو غيها وضلالها.
وإن المتأمل في تاريخ الحضارة الإنسانية قبيل مولده الشريف، وما كان عليه حال البشرية وقتئذ، من جاهلية خيمت بظلالها الوخيمة على شتى نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية، والتي تمثلت في استبداد واستغلال وقهر وظلم وصراعات مقيتة، وحروب لا تنتهي، وما حدث في حروب مثل حرب (البسوس)، وحرب (داحس والغبراء) وغيرها ليست منا ببعيد؟!
- حرب (البسوس): نَشبَت بسبب ناقة دخلت حمى رجُل، فكسرت بيض حمام، فرمى ضَرْعَها بسهم، فقتله صاحبها، فدارت الحرب الضروس أربعين سنة، حتى ضربت العرب بشؤمها المثل (1).
- حرب (داحس والغبراء): حدثت لأتفه الأسباب بين قبيلتين ثم توسعت بين قبائل كثيرة، بسبب أن فرسًا سبقت أخرى في سباق، واستمرت لمدة أربعين (2) سنة!
لقد أمست الأمور والحالة هذه على نحو غريب، حيث سيادة مفاهيم الاستعلاء والبقاء للأقوى، وانحسار الأمن، وإلف الخوف وعدم الاستقرار. نعم، كان العالم يعيش في دياجير التيه والظلام، وكان في انتظار من ينقذه من التردي السحيق في مظاهر الحياة، لا سيما حقوق الإنسان وغيره، ولعل دفن البنات أحياءً فيما عُرف بـ “وأد البنات” مخافة العار مظهر مظاهر العبث آنذاك.
وكأن البشرية كانت في انتظار مخاض جديد، يقضي على ظلال الجهالة المخيفة.
كأنها في انتظار حدث جليل يُغِيرُ على هذه العادات القاسية، ويُغَيّر شكل العالم ومعالمه، ويقضي على الجاهلية.
كانت في انتظار هداية من رحم الغيب تُغيّر وجه العالم، وتقضي على ظلامه الدامس وظلماته المخيفة، وتنيره بأنوار المحبة والعدل والسلام.
لقد تجلت حكمة الله (تعالى) البالغة، حتى لا تستمر البشرية في غيّها في هذا الصراع المدمر؛ لذلك فإنه سبحانه وتعالى برحمته ومنته وحنانه وجوده وكرمه وفضله، أراد أن ينقذ البشرية من نفسها، ويحدد لها الطريق السوي الذي يكفل لها السلامة والأمان والتقدم والازدهار، والنهوض والعمران… وهذا ما حدث بالفعل ببعثة النبي الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ لإنقاذ البشرية، فبدل خوفهم أمنًا، وظلامهم نورًا، وقسوتهم رحمة، وجورهم عدلاً، برسالة عالمية خاتمة وصالحة ومصلحة لكل زمان ومكان وحال….
واستطاع النبي العظيم (ﷺ) أن يكون أمة الإسلام، التي ترتبط بمنهج الله الحنيف، الذي خَلَقَ فيهم السلام النفسي والروحي والإخلاص، ومراقبة الضمير والخوف من الله الجليل، ومخاطبة العقل، واحترام العلم، ومَنَّ الله (تعالى) عليهم بالأمن والأمان وجعلهم من أسبابه ومقوماته حتى أصبح الراكب يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه؛ ومِنْ ثُمَّ أَمِنَ الناسُ مِن عدوان بعضهم على بعض، وتفرغوا للعلم ونشر دعوة الحق، فأسسوا حضارةً زاخرة زاهرة، بازغة باذخة، أضاءت جنبات العالم بثمرات قرائحهم.
لقد استطاع النبي الكريم أن يُغيّر شكل العالم في وقت قصير جداً (23 عامًا هي عمر البعثة)، ومن عجب أنَّ بعض المستشرقين المنصفين والمفكرين الغربيين يدركون القيمة العظمى لرسولنا العظيم، ويضعونه في مقدمة عُظماء العالم والتاريخ….
يقول الكاتب العالمي “برنارد شو” عن سيدنا محمد (ﷺ): “ما أحوج العالم إلى محمد بن عبد الله ليحل مشكلات العالم وهو يحتسي فنجان قهوة”.
ويقول الأديب الروسي “ليو تولستوي” في كتابه “حكم النبي محمد”: “ومما لا ريب فيه أنَّ النبي محمداً كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمةً جليلة، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمةً بأكملها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهذا عمل عظيم لا يقوم به شخص مهما أوتي من قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإجلال” (3).
واقع العالم قبيل البعثة: قراءة في التاريخ والجغرافيا
لقد كان العالم قبيل بعثة النبي الكريم يسبح في ظلمات الجهالة، ويتيه في بيداء الضلالة، فالناس قد نأوا عن الأخلاق الفاضلة، وتفشى فيهم أوباء الشر والفساد، حيث كانت شبه الجزيرة العربية محصورة بين دولتين كبيرتين: (الفرس – الروم)، وكانت هاتان الدولتان تتحكمان في العالم في ذلك العصر، وكان فيهما فساد كبير…!
- بلاد الفرس: انتشرت فيها المجوسية وهي عبادة النار، وكانوا يعتقدون أن للعالم إلهين: إله الخير وإله الشر، وقد انقسموا إلى مذاهب مختلفة، وكان لكل مذهب أنصار يُعادون ويناوئون أنصار المذهب الآخر.
- بلاد الروم: انقسموا إلى طوائف عدة ومتباينة (4).
وقد كانت الحرب بينهما سجالاً، فأحيانا ينتصر الفرس وينتزعون جزءًا من أملاك الروم، وأحيانا ينتصر الروم فينتزعون جزءًا من أملاك الفرس (5) وهكذا دواليك.
جزيرة العرب آنذاك:
لم تكن الجزيرة العربية أسعد حالاً من غيرها وقتئذ، فلقد كانت تعيش في جهل مطبق، وكان مجتمعها الجاهلي يعج بكثير من سيئ العادات:
- أصنام معبودة
- وغارات مشنونة
- ودماء مسفوكة
- وأرحام مقطوعة
وشاع فيها:
- شرب الخمر
- ولعب الميسر
- والاستقسام بالأزلام
- والتعامل بالربا الفاحش
- ووأد البنات مخافة الفقر أو العار (6)
- والجمع بين الأختين في الزواج
- وكانوا يتزوجون بزوجات آبائهم إذا طلقوهن أو ماتوا عنهن
- انتشار المجون، والرق… إلخ
- وكانوا يعيشون للعصبية القبلية، ويموتون لها
- ويعدون شرب الخمر ضربًا من ضروب الكرم.
وعلى الرغم من هذه العادات السَّيِّئَة التي يُنكرها العقل السليم، فإنَّه كانت هناك بعض من الأخلاق النبيلة، منها: الكرم، حيث كان الرجل يأتيه الضيفُ في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فتأخذه هزَّة الكرم، فيقوم ليذبحها لضيفه، وكانوا يُطعمون المساكين، ويوفون بالعهود، ويتصفون بعزة النفس، والحلم والأناة والتؤدة… وغيرها (7).
وكانت العلاقة السائدة بين أفراد القبيلة الواحدة علاقة تعاون وتضامن، بينما كانت علاقة القبيلة بالقبيلة الأخرى – في الغالب – علاقة كراهية وعداوة؛ إذ كانت كل قبيلة تحب أن تمتاز من غيرها بأن تكون أكثر مالاً، وأعظم جاهاً، وقد أدى ذلك إلى قيام النزاعات والحروب الضروس بينهم؛ مما جعل أمة العرب مفككة الأواصر، مهددة بالفناء والزوال؛ لولا أن تداركها الله – تعالى – برسالة الإسلام.
التجارة والإغارة والحاجة الماسة إلى معاهدة “إيلاف قريش”:
كانت التجارة عصب حياة العرب، فيها يعملون، ومن أجلها يسافرون، ومن ريعها يعيشون… وكانت تجارتهم وقوافلهم مهددة على الدوام. حيث كان بين الجنوب والشمال مساحة شاسعة تسكنها إما:
- قبائل تأنفُ من الخضوع لنظام ملكي أو دولة خارجية مثل قريش في مكة، والأوس والخزرج في المدينة.
- أو تجمعات للأعراب يعيشون في ضيق حال؛ مما دفع بعضهم لقطع الطرق على القوافل.
ذلك الوضع كان له أثره السلبي على أمان القوافل التجارية، وأدى لتعرُّض بعض المناطق لانقطاع بعض البضائع والسلع عنها؛ نتيجة سيطرة الطرف المحارب لها على معابرها.
وبالتالي كان لا بد من طرف يستطيع أن “يؤلف” كل الأطراف؛ لضمان استمرار حركة التجارة وعدم تأثرها سلبًا بالوضع العام. ومن هنا جاءت فكرة الإيلاف في النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي (8).
لقد سعوا إلى إيجاد معاهدة تضمن لهم سلاسة الحركة وسلامة تجارتهم وقوافلهم من الإغارات، فكان إيلاف قريش الذي صوره القرآن الكريم، يقول الحق تبارك وتعالى: {لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (سورة قريش).
إنَّ المخاطر التي تكتنف عملية التجارة بين الشام واليمن دفعت قريشًا للقيام بتأمين الطريق لتجارتها وتجارة القبائل الأخرى. فكانت فكرة “الإيلاف” (9)؛ وهو عبارة عن مجموعة من العهود السياسية التجارية، وحلف قبلي واسع يستهدف تأمين القوافل في رحلة الشتاء التي تتجه لليمن، ورحلة الصيف المتجهة للشام، وضمن هذه الترتيبات كانت القبائل تؤدي واجب الاستضافة والحماية لقوافل قريش وبقية التجار الملتحقين بها من القبائل الأخرى.
إنَّ الإيلاف، والترتيبات القائمة حوله، تدلل على وجود وعي لقريش على غيرها من القبائل العربية، وقدرتها على أداء دور مهم لإحلال السلام بين قبائل العرب، وهو ما أعطاها ورجالها مكانة بين القبائل العربية (10).
ولقد سارعت بعض القبائل إلى طلب الدخول في “الإيلاف” (11) أو الاستفادة منه حتى وإن لم تكن واقعة على طرق التجارة المعتادة؛ طمعًا منها في الربح، والاستفادة من حماية قوافلها خلال مرورها بمناطق “الإيلاف”، ففتحت بذلك طرقًا وأسواقًا جديدة. وارتفع في هذه الظروف نفوذ القرشيين إلى حد أنه يقال: إنَّ المسافر على رأس قافلة كان يكفيه قوله إنه من “أهل الحرم”.
الحالة السياسية والدينية:
أما الحالة السياسية فكانت أسوأ حالاً، وكان الناس في عمايتهم يتخبطون؛ إذ انقسم الناس بين سادة وعبيد، أو حكام ومحكومين، فالسادة لهم كل الغنم، والعبيد عليهم كلُّ الغُرْم، وكانت القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال، تغلب عليها النزاعات العنصرية.
وأما عن الحالة الدينية فكان العرب قديماً متمسكين بدين الخليل إبراهيم عليه السلام، وظلوا على هذه الحال حينًا من الزمان، حتى طال عليهم الأمد، ونسوا حظًا مما ذكروا به، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا، وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله (12).
وتحولوا إلى عبادة الأصنام، ثم كثر فيهم الشرك، وانتشرت الأوثان في الحجاز، وكانوا يعكفون عليها ويلتجئون لها، ويحجون إليها، ويطوفون حولها، ويسجدون لها، ويتذللون عندها، وينذرون لها، ويتقربون إليها بأنواع من القرابين؛ حتى صار الشرك وعبادة الأصنام أكبر مظهر من مظاهر دين أهل الجاهلية الذين كانوا يزعمون أنهم على دين إبراهيم، ويعتقدون أنَّ هذه الأصنام تقربهم إلى الله تعالى، وتوصلهم إليه، وتشفع لهم عنده، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى على لسانهم: {… مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى…} (الزمر: 3) (13).
وعلى الرغم من التخبط الذي عاشوا فيه، فإنَّه قد ظل فيهم بقية من دين إبراهيم (عليه السلام)، مثل: تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة، وإهداء البدن… إلخ، بيد أنهم ابتدعوا في ذلك بدعًا ما أنزل الله بها من سلطان… وكثرت معاصيهم، وانتشرت فيهم الخرافات (14). وبالتالي كانت الإنسانية كلها في ذلك الوقت تائهة في مجاهل الحياة، غارقة في بحار الجهل، ممعنةً في الغي والسَّفَه، سادرة في الجهل والعمه (15).
مولد النور
وفي هذا الزمان شاء الله الحكيم أن ينبثق نور سيدنا محمد (ﷺ)، ونور الإسلام…. {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة: 15)؛ ليقضي على هذه الأوهام، وعلى هذا الركام من هذه العقائد، والفلسفات، والخرافات، والأساطير الفاسدة.
لقد مَنَّ الله (تعالى) على البشرية بخير الأنام ومسك الختام سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) بصفوة خلق الله خير الأنام ومسك الختام الذي اصطفاه الله واختاره هدية للعالمين.
فعن واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بني هاشم، واصْطَفَانِي مِن بني هاشم) (16).
وقد قيل أن الله نظر إلى آبائه نظر تكريم في الجاهلية، فكانوا كلهم سادة قادة وتجتمع فضلهم في عبد المطلب جده عليه الصلاة والسلام، وهو الذي حفر زمزم بعد أن طُمَّتْ، وكان له بذلك أرفع منزلة في العرب قاطبة.
وقد اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليهم وعلى جميع إخوانهم من الأنبياء والمرسلين، وورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أنا ابن الذبيحين). وعن معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) أن أعرابيًا قال للنَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا ابنَ الذَّبيحين، فتبسَّمَ ولَم يُنكر عليه (17).
- الذبيح الأول: فهو إسماعيل عليه السلام، فإن الصحيح أنه هو الذبيح لا إسحاق عليهما السلام، ودليله من القرآن الكريم أنه تعالى بعد أن قص قصة الذبيح في سورة الصافات بقوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات: 101-107). أردفها بقوله: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (الصافات: 112) والظاهر المتبادر أنها بشارة أخرى بمولود آخر وهو إسحاق.
- الذبيح الثاني: فهو أبوه عبد الله، وقصته مشهورة في كتب السير (18).
هذا الرسول العظيم الذي جعله الله نورًا للإنسان.. ونورًا للأوطان.. ونورًا للأكوان، نورًا يمشي على الأرض؛ يُعلم الجاهل، ويُرشد الحائر، ويهدي الضَّال إلى طريق الله… ويفجر ينابيع الرحمة في القلوب ويترجمها إلى سلوكيات في جميع الميادين، ويُرسي دعائم العدل، ويدق أجراس الحرية في آذان التاريخ، وينشر السلام والمحبة، ويُحيي النفوس بعد أن ذاقت مرارة الذل والاضطهاد في ظل قوانين العبودية، ويقود بناء الأمة الإسلامية؛ فيضرب المثل الأعلى في مواصفات القيادة المثالية الرشيدة للأمم والشعوب (19)، ويغرس أشجار النبل والإخاء والحب في جنبات المجتمع ويحرر العقول والقلوب والنفوس من كل قيود التعلق بغير الله، ويُظهره الله للعالمين كأعظم مصلح نشر أرقى المبادئ والتشريعات والقوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لتحقيق رقي المجتمعات وفق منهج الله.
يقول تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران: 164).
وقال (عز وجل): {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ (20) رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة: 2).
وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم (عليه السلام) حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويُعلمهم الكتاب والحكمة.
فجاء الإسلام بنوره الوضاح الخلاق لِيُنْشِئَ أمةً وحضارةً ذات طابع متميز متفرد؛ لقيادة البشرية، وتحقيق منهج الله، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من الظلم والخوف والمناهج والتصورات الضالة… (21).
واستطاع النبيُّ الحكيم أن يُغَيّر معالم الدنيا، ويقضي على الحروب والصراعات التي راح ضحيتها كثير من الناس، ويُغِيرُ على مفاهيم الاستعلاء والأنانية التي كانت سائدةً ومُنتشرة بالجزيرة العربية عبر قرون مديدة، ويحولهم من هذا كله إلى الإيمان، والرحمة، والمحبة والتسامح، والإيثار، والسلام الذي عم الدنيا كلها بمجيئه (ﷺ).
وهكذا بذر الرسول الرحيم بذور الخير والرحمة في قلوب الناس، ويبسط الإسلام جناحيه على مناطق كثيرة، ويؤشش المسلمون حضارةً عظيمة ببركة توفيق الله (تعالى) لرسوله العظيم الذي كان وما يزال وسيظل – أعظم عظماء الدنيا بشهادة كثير من المنصفين من المخالفين.
يقول د/ محمد عبد الله دراز: “إنَّ رسالة الإسلام حين بسطت جناحيها في أقل من نصف قرن على نصف المعمورة، كانت كأنما أنشأته خَلقًا آخر، لقد بدلته من أوطانه المتفرّقة وطنًا واحدًا، ومن قوانينه المختلفة قانونًا واحدًا، ومن آلهته المتعددة إلهًا واحدًا، لقد نفذت إلى جوهر نفسه فحولته تحويلاً، وبدلت أسلوب تفكيره تبديلاً، وإنَّ هذا النجاح ليس مرده إلى سبب واحد ولا فضيلة واحدة؛ بل لقد تضافرت عليه شخصية الداعي، ومنهاج دعوته، وشخصية الأمة التي تلقَّت تلك الدعوة، وطبيعة الدعوة نفسها، ومن وراء ذلك كله كلاءة الله ورعايته لهذه الرسالة حتى بلغت كمالها. أما صاحب الرسالة فقد جمع خلالاً، كل واحدة منها كانت عنصرًا فعالاً في هذا النجاح، خلالاً نعد منها ولا نعددها، ونرسم شيئًا من جوانبها ولا نحدها: صبر ومصابرة، وجد ومثابرة، وحرص على بلوغ الغاية، والتزام لأدق حدود الصدق في الوسيلة وفي الغاية، تلطف في الدعوة، وقصد في الحجة، وتعليم بالأسوة والقدوة، وتأديب باللمحة والنظرة، وطهر في السيرة والسريرة، لا حقد ولا ضغينة، ولا ختل (22) ولا مواربة، سخاء بما في اليد، وزهد فيما بيد الناس، تضحية بحظوظ نفسه، وتنازل عن حقوق شخصه، أما في تبلیغ الرسالة وإقامة العدالة، فعزيمة متوفرة لا تنى، وصلابة في الحق لا تنثنى. هذه الخلال الفضلى، وأمثالها وأمثال أمثالها تنبع في نفس الرسول الكريم من ينبوع ذي ثلاث شُعب: الإيمان، والحب، والأمل.. إيمان بقدسية الرسالة وضرورة حملها، وحب للإنسانية واهتمام بإنقاذها، وأمل في نجاح الدعوة وبلوغها أقصى غايتها. نعم، إنَّ هذا القلب الذي يمتلئ إيمانًا وحكمةً يفيض في الوقت نفسه حنانًا ورحمةً، ويُطالع في الأفق دائمًا أملًا باسمًا في النجاح والفلاح.. لا نقول: إنَّه يفيض رحمةً بأتباعه وحسب، فإنه وإن كان لأتباعه من رحمته النصيب الأوفر، فهو كما وصفه الله رحمة للعالمين، لأعدائه وأوليائه أجمعين، حريص على خيرهم وسعادتهم، مشفق على عنتهم وقوتهم. {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128)، ولا أقول: إنه كان يداعب أملًا في نجاح جزئي يخص عشيرته الأقربين، أو يخص أم القرى ومن حولها، ولكنه كان يحمل أملًا في نجاح محيط شامل، بتنظيم البشرية كلها.. ألم تر كيف كان كل انتقاص من محيط هذا النجاح انتقاصًا من طيب نفسه ونعيمها، وزيادةً في أحزانها وآلامها؟ هذا القلب الرحيم كيف يطيب له عيش وهو لا يزال يرى طائفة من إخوته في الإنسانية يعيشون في ظلمة الضلالة والجهالة، أو في حماة الفساد والرذيلة، أو تحت نير العبودية لغير الله؟! (23). ويا له من قلب رحيم حنون بلغ شأو الرحمة والرفق بالعالمين!
ولا ريب في “أن ظهور هذا النور النبوي للعالم كان من أعظم آثار رحمة الله التي سعد بها الناس دنيا وأخرى، وأن السعادة الدنيوية لم تقف عند حد من آمن به فحسب بل قد اقتبست الأمم التي لم تسعد بالإيمان من نظم العدالة وتهذيب النفوس ما ارتقت به حياتها وهذبت به نفوسها، فح&#
