مقالات

أزمة الحياء والحشمة: قراءة في الظواهر المجتمعية المعاصرة واستعادة القيم الأخلاقية

​بقلم هبه سعد 

تشهد المجتمعات في الآونة الأخيرة تحولات سلوكية وفكرية متسارعة، أفرزت ظواهر مجتمعية غريبة باتت تثير قلقاً واسعاً لدى المصلحين والمفكرين وعامة الناس. إن ما نشهده اليوم من مشاهد غير مألوفة—سواء تمثلت في ظهور بعض المنتسبات لمهن سامية كالطب في مقاطع رقص علنية، أو اعتلاء بعض المغنين والمشاهير للمسارح بملابس لا تليق بالرجال ولا تتناسب مع الفطرة السوية، أو انتشار مشاهد اختلاط وحمل الشباب للطالبات والنساء في الحفلات والمناسبات العامة والتخرجات والرقص في الشوارع—ليس مجرد تصرفات فردية عابرة، بل هو مؤشر خطير على أزمة عميقة تعصف بأحد أهم ركائز الأخلاق في مجتمعاتنا: أزمة “الحياء والحشمة”.

​أولاً: تشخيص الواقع والظواهر المعاصرة

​تجلت مظاهر تراجع الحياء في صور متعددة فرضتها الثورة الرقمية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع البث المباشر. فقد أصبحت الرغبة في تحصيل الشهرة الزائفة وجمع المتابعين و”التريند” دافعاً لدى البعض للتخلي عن الضوابط الأخلاقية والدينية.

  1. انحدار القدوة والرموز:
  2. حينما تصدر مشاهد غير لائقة من أصحاب المهن الرفيعة كالأطباء والمعلمين، أو حين يظهر فنانون ومشهورون بإطلالات تخالف الفطرة الإنسانية السليمة وتتشبه بالنساء، فإن ذلك يبعث برسائل سالبة للجيل الناشئ، ويؤدي إلى تمييع المفاهيم والأخلاق.
  3. الاستهانة بالستر والحياء:
  4. أصبحت المنصات الرقمية مسرحاً للبث المباشر والرقص في كل وقت ومكان، دون مراعاة لحرمة العامة أو قيم المجتمع. وقد تسللت هذه المظاهر إلى المناسبات التعليمية والاحتفالات العامة، حيث اختلطت المفاهيم وغاب الوقار المطلوب في صروح العلم والمجالس العامة.
  5. تغريب الفطرة وتشويه الشرف:
  6. إن ممارسة سلوكيات تتنافى مع الحشمة باسم التحرر أو التعبير عن الفرح، يؤدي تدريجياً إلى قسوة القلوب وموت النخوة لدى الرجال والمهابة لدى النساء، وهو ما ينذر بانهيار المنظومة الأخلاقية التي تحمي المجتمع من التفكك.

​ثانياً: تكريم الإسلام للمرأة والمنظومة الأخلاقية

​لقد جاء الدين الإسلامي ليرتقي بالإنسان رجلاً كان أو امرأة، فحافظ على المرأة، وصان كرامتها، ورعاها حق الرعاية، وجعلها جوهرة مصونة لا يُبتذل بها.

ولم تكن التشريعات الخاصة بالحجاب والحشمة والتزام الأدب في القول والفعل غلاً للحرية، بل كانت درعاً واقياً يحمي المرأة من أن تتحول إلى سلعة رخيصة تُبتذل في الأسواق والمحافل، وتنجرف نحو الهاوية بما تفعله في البث المباشر والرقص المجاني في كل مناسبة ومكان.

​إن الحياء في الإسلام ليس مجرد خلق ثانوي، بل هو شعبة أصيلة من شعب الإيمان، وميزان تُقاس به قيمة المرء ووقاره. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الحياء لا يأتي إلا بخير”،

وقال أيضاً: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”.

فمتى ما زال الحياء من قلب الإنسان، انفتحت أمامه أبواب السقوط والهاوية.

​ثالثاً: الحياء في القصص القرآني والقدوات الخالدة

​يضرب لنا القرآن الكريم والسيرة النبوية أروع الأمثلة في قيمة الحياء وأثره في رفعة الإنسان وقدره عند الله وعند الناس:

موقف السيدة مريم عليها السلام:

حين قالت السيدة مريم عليها السلام: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾.. كانت تخبر النساء بأن الشرف والحياء أغلى من الحياة نفسها، وأن الموت أهون على النفس العفيفة من أن تُ مسّ كرامتها أو يُظن بها ظن سوء.

 

قصة فتاة مدين مع موسى عليه السلام:

لا زلت أحاول أن أفهم ماذا رأى موسى عليه السلام من فتاة مدين لينفق عشر سنين من عمره مهراً لها… فوجدت الجواب في قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.. لم يصف الله تعالى طولها ولا شكلها ولا زينتها، بل وصف أغلى وأعظم شيء فيها وهو الحياء.

 

​رابعاً: الاستفاقة والرجوع إلى الحقيقة

​إن التذكير بفناء الدنيا وبقاء العمل هو الدواء الناجع لهذه الظواهر الطارئة. فالجميع سيرحل عن هذه الحياة، والقبر هو المآل المحتوم لكل إنسان، حيث لا ينفع مال ولا جاه ولا شهرة ولا رقص على الشاشات، بل يبقى فقط العمل الصالح والتاريخ المشرّف والأثر الطيب.

“إن لم تستحي فافعل ما شئت.. الحياء هو ما نفتقده في هذا الزمان. كلٌّ سيرحل والقبر ينتظرنا جميعاً والدود هيشبع مننا.. فالعاقل من اتعظ قبل فوات الأوان.”

 

​خاتمة وتوصيات

​لمواجهة هذه الأزمة الأخلاقية وإعادة الانضباط والحياء إلى مجتمعاتنا، لا بد من تضافر الجهود على جميع المستويات:

  1. دور الأسرة:
  2. تربية الأبناء والبنات على معاني العفة والحياء والنخوة،
  3. ومتابعة استخدامهم للتكنولوجيا والتطبيقات الحديثة وتوجيههم السليم.
  4. دور الإعلام والمؤسسات التعليمية:
  5. إبراز القدوات الصالحة والأنموذج المشرّف،
  6. والحد من ترويج المشاهد الهابطة التي تطمس الفطرة والسلوك القويم.
  7. المسؤولية الفردية:
  8. أن يدرك كل إنسان أن قيمته في تقواه وأخلاقه،
  9. وأن الحياء تاج يستوي به الرجال والنساء على حد سواء، وهو الحصن المنيع ضد الانجراف خلف الظواهر الدخيلة.

نسأل الله تعالى أن يهدي شبابنا ونساءنا، وأن يرد مجتمعاتنا إلى الستر والحياء رداً جميلاً.

📎 رابط مختصر للمقال: https://thenewsstreet.com/?p=16449

موضوعات ذات صلة

فريد عبد الوارث يكتب: الدم والنفط: لماذا تُستهدف فنزويلا؟ ولماذا انتصرت مصر بخيار القوة

سيد ابوسيف

لأول مرة ..طلاب تكنولوجيا السكك الحديدية بجامعة سوهاج يتدربون داخل ورش مترو الأنفاق

سيد ابوسيف

مكانة النبي ﷺ وبركاته.. الركيزة الأساسية في صياغة هوية أمة الإسلام

سيد ابوسيف

شريهان عنتر

الأرض المباركة .. بين يدي خطبة الجمعة..يقدمها الشيخ جمال فراج

سيد ابوسيف

شريهان عنتر